البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤١ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
محمد بن سوار الهاشمي الكوفي أنا منجاب بن الحارث ثنا عبد اللَّه بن الأجلح ثنا أبى عن مرثد الفقيه عن أبيه. قال: و سمعت فضل بن فضالة يحدث عن حرب بن أبى الأسود الدؤلي- دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه- قال: لما دنا على و أصحابه من طلحة و الزبير، و دنت الصفوف بعضها من بعض، خرج على و هو على بلغة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنادى: ادعوا إلى الزبير بن العوام فانى على، فدعى له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال على: يا زبير! نشدتك اللَّه، أ تذكر يوم مرّ بك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نحن في مكان كذا و كذا، فقال: «يا زبير أ لا تحب عليا؟ فقلت:
أ لا أحب ابن خالي و ابن عمى و على ديني؟ فقال يا زبير أما و اللَّه لتقاتلنه و أنت ظالم له؟» فقال الزبير: بلى! و اللَّه لقد نسيته منذ سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم ذكرته الآن، و اللَّه لا أقاتلك.
فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد اللَّه بن الزبير، فقال: مالك؟ فقال:
ذكّرني على حديثا سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، سمعته يقول: «لتقاتلنه و أنت ظالم له» فقال:
أو للقتال جئت؟ إنما جئت لتصلح بين الناس و يصلح اللَّه بك هذا الأمر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: أعتق غلامك سرجس وقف حتى تصلح بين الناس. فأعتق غلامه و وقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه، قالوا: فرجع الزبير إلى عائشة فذكر أنه قد آلى أن لا يقاتل عليا، فقال له ابنه عبد اللَّه: إنك جمعت الناس، فلما تراءى بعضهم لبعض خرجت من بينهم، كفر عن يمينك و احضر. فأعتق غلاما، و قيل غلاما سرجس. و قد قيل إنه إنما رجع عن القتال لما رأى عمارا مع على و قد سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»
فخشي أن يقتل عمار في هذا اليوم.
و عندي أن الحديث الّذي أوردناه إن كان صحيحا عنه فما رجعه سواه، و يبعد أن يكفر عن يمينه ثم يحضر بعد ذلك لقتال على و اللَّه أعلم.
و المقصود أن الزبير لما رجع يوم الجمل سار فنزل واديا يقال له وادي السباع، فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز، فجاءه و هو نائم فقتله غيلة كما سنذكر تفصيله. و أما طلحة فجاءه في المعركة سهم غرب يقال رماه به مروان بن الحكم فاللَّه أعلم، فانتظم رجله مع فرسه فجمعت به الفرس فجعل يقول:
إليّ عباد اللَّه، إليّ عباد اللَّه، فاتبعه مولى له فأمسكها، فقال له: ويحك! اعدل بى إلى البيوت، و امتلأ خفه دما، فقال لغلامه: أردفني، و ذلك أنه نزفه الدم و ضعف، فركب وراءه و جاء به إلى بيت في البصرة فمات فيه، رضى اللَّه عنه.
و تقدمت عائشة رضى اللَّه عنها في هودجها، و ناولت كعب بن سوار قاضى البصرة مصحفا و قالت:
ادعهم إليه- و ذلك أنه حين اشتد الحرب و حمى القتال، و رجع الزبير، و قتل طلحة رضى اللَّه عنهما-