البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
و ألسنتكم، و إياكم أن يسبقونا غدا، فان المخصوم غدا مخصوم اليوم و جاء في غبون ذلك الأحنف بن قيس في جماعة فانضاف إلى على- و كان قد منع حرقوص بن زهير من طلحة و الزبير و كان قد بايع عليا بالمدينة و ذلك أنه قدم المدينة و عثمان محصور فسأل عائشة و طلحة و الزبير: إن قتل عثمان من أبايع؟
فقالوا بايع عليا فلما قتل عثمان بايع عليا قال: ثم رجعت إلى قومي فجاءني بعد ذلك ما هو أفظع، حتى قال الناس هذه عائشة جاءت لتأخذ بدم عثمان، فحرت في أمرى لمن أتبع، فمنعني اللَّه بحديث
سمعته من أبى بكر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد بلغه أن الفرس قد ملكوا عليهم ابنه كسرى فقال:
«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»
و أصل هذا الحديث في صحيح البخاري، و المقصود أن الأحنف لما انحاز إلى على و معه ستة آلاف قوس،
فقال لعلى: إن شئت قاتلت معك، و إن شئت كففت عنك عشرة آلاف سيف، فقال: اكفف عنا عشرة آلاف سيف،
ثم بعث على إلى طلحة و الزبير يقول:
إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر، فأرسلا إليه في جواب رسالته: إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس و سكنت، و اجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين، فلما أمسوا بعث على عبد اللَّه بن عباس إليهم، و بعثوا إليه محمد بن طليحة السجاد و بات الناس بخير ليلة، و بات قتلة عثمان بشر ليلة، و باتوا يتشاورون و أجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر و هم قريب من ألفى رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، و قام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا طرقتنا أهل الكوفة ليلا، و بيتونا و غدروا بنا،
و ظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب على فبلغ الأمر عليا فقال: ما للناس؟
فقالوا، بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه و لبسوا للأمة و ركبوا الخيول، و لا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا و قامت الحرب على ساق و قدم، و تبارز الفرسان، و جالت الشجعان، فنشبت الحرب، و تواقف الفريقان و قد اجتمع مع على عشرون ألفا، و التف على عائشة و من معها نحوا من ثلاثين ألفا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و السابئة أصحاب ابن السوداء قبحه اللَّه لا يفترون عن القتل، و منادى على ينادى: ألا كفوا ألا كفوا، فلا يسمع أحد، و جاء كعب بن سوار قاضى البصرة فقال: يا أم المؤمنين أدركى الناس لعل اللَّه أن يصلح بك بين الناس، فجلست في هودجها فوق بعيرها و ستروا الهودج بالدروع، و جاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركاتهم، فتصاولوا و تجاولوا، و كان في جملة من تبارز الزبير و عمار، فجعل عمار ينخره بالرمح و الزبير كاف عنه، و يقول له، أ تقتلني يا أبا اليقظان؟
فيقول: لا يا أبا عبد اللَّه، و إنما تركه الزبير
لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «تقتلك الفئة الباغية»
و إلا فالزبير أقدر عليه منه عليه، فلهذا كف عنه، و قد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف على