البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٢ - ابتداء وقعة الجمل
القتال، فتناور طوائف من أطراف الجيش فتراموا بالحجارة، ثم تحاجز الناس و رجع كل فريق إلى حوزته، و قد صارت طائفة من جيش عثمان بن حنيف إلى جيش عائشة، فكثروا، و جاء حارثة ابن قدامة السعدي فقال: يا أمير المؤمنين! و اللَّه لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة للسلاح، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعى من حيث جئت إلى منزلك، و إن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع و أقبل حكيم بن جبلة- و كان على خيل عثمان بن حنيف- فأنشب القتال و جعل أصحاب أم المؤمنين يكفون أيديهم و يمتنعون من القتال، و جعل حكيم يقتحم عليهم فاقتتلوا على فم السكة، و أمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بنى مازن، و حجز الليل بينهم، فلما كان اليوم الثاني قصدوا للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، إلى أن زال النهار، و قتل خلق كثير من أصحاب ابن حنيف، و كثرت الجراح في الفريقين، فلما عضتهم الحرب تداعوا إلى الصلح على أن يكتبوا بينهم كتابا و يبعثوا رسولا إلى أهل المدينة يسأل أهلها، إن كان طلحة و الزبير أكرها على البيعة، خرج عثمان بن حنيف عن البصرة و أخلاها، و إن لم يكونا أكرها على البيعة خرج طلحة و الزبير عنها و أخلوها لهم، و بعثوا بذلك كعب بن سور القاضي، فقدم المدينة يوم الجمعة، فقام في الناس، فسألهم: هل بايع طلحة و الزبير طائعين أو مكرهين؟ فسكت الناس فلم يتكلم إلا أسامة بن زيد، فقال: بل كانا مكرهين، فثار إليه بعض الناس فأرادوا ضربه، فحاجف دونه صهيب، و أبو أيوب، و جماعة حتى خلصوه، و قالوا له: ما وسعك ما وسعنا من السكوت؟ فقال:
لا و اللَّه ما كنت أرى أن الأمر ينتهى إلى هذا،
و كتب على إلى عثمان بن حنيف يقول له: إنهما لم يكرها على فرقه، و لقد أكرها على جماعة و فضل فان كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، و إن كانا يريدان غير ذلك نظرا و نظرنا،
و قدم كعب بن سور على عثمان بكتاب على، فقال عثمان: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، و بعث طلحة و الزبير إلى عثمان بن حنيف أن يخرج إليهما فأبى، فجمعا الرجال في ليلة مظلمة و شهدا بهم صلاة العشاء في المسجد الجامع، و لم يخرج عثمان بن حنيف تلك الليلة، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، و وقع من رعاع الناس من أهل البصرة كلام و ضرب، فقتل منهم نحوا أربعين رجلا، و دخل الناس على عثمان بن حنيف قصرة فأخرجوه إلى طلحة و الزبير، و لم يبق في وجهه شعرة إلا نتفوها، فاستعظما ذلك و بعثا إلى عائشة فأعلماها الخبر، فأمرت أن تخلى سبيله، فأطلقوه و ولوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبى بكر، و قسم طلحة و الزبير أموال بيت المال في الناس و فضلوا أهل الطاعة، و أكب عليهم الناس يأخذون أرزاقهم، و أخذوا الحرس، و استبدوا في الأمر بالبصرة، فحمى لذلك جماعة من قوم قتلة عثمان و أنصارهم، فركبوا في جيش قريب من ثلاثمائة، و مقدمهم حكيم بن جبلة، و هو أحد من باشر قتل عثمان، فبارزوا و قاتلوا،