البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣١ - ابتداء وقعة الجمل
لحوأب»،
ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، و قالت: ردوني ردوني، أنا و اللَّه صاحبة ماء الحوأب، و قد أوردنا هذا الحديث بطرقه و ألفاظه في دلائل النبوة كما سبق، فأناخ الناس حولها يوما و ليلة، و قال لها عبد اللَّه بن الزبير: إن الّذي أخبرك أن هذا ماء الحوأب قد كذب، ثم قال الناس: النجا النجا، هذا جيش على بن أبى طالب قد أقبل، فارتحلوا نحو البصرة، فلما اقتربت من البصرة كتبت إلى الأحنف بن قيس و غيره من رءوس الناس، أنها قد قدمت، فبعث عثمان بن حنيف عمران بن حصين و أبا الأسود الدؤلي إليها ليعلما ما جاءت له، فلما قدما عليها سلما عليها و استعلما منها ما جاءت له، فذكرت لهما ما الّذي جاءت له من القيام بطلب دم عثمان، لأنه قتل مظلوما في شهر حرام و بلد حرام. و تلت قوله تعالى لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ فقال: الطلب بدم عثمان، فقالا: ما بايعت عليا؟ قال: بلى و السيف على عنقي، و لا أستقبله إن هو لم يخل بيننا و بين قتلة عثمان. فذهبا إلى الزبير فقال مثل ذلك، قال: فرجع عمران و أبو الأسود إلى عثمان بن حنيف، فقال أبو الأسود:
يا ابن الأحنف قد أتيت فانفر* * * و طاعن القوم و جالد و اصبر
و اخرج لهم مستلثما و شمر
فقال عثمان بن حنيف: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، دارت رحى الإسلام و رب الكعبة، فانظروا بأي زيفان نزيف، فقال عمران إي و اللَّه لتعركنكم عركا طويلا، يشير عثمان بن حنيف إلى حديث ابن مسعود مرفوعا «تدور رحى الإسلام لخمس و ثلاثين» الحديث كما تقدم، ثم قال عثمان بن حنيف لعمران بن حصين: أشر على، فقال اعتزل فانى قاعد في منزلي، أو قال قاعد على بعيري، فذهب فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتى أمير المؤمنين، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح و الاجتماع في المسجد، فاجتمعوا فأمرهم بالتجهز، فقام رجل و عثمان على المنبر فقال: أيها الناس إن كان هؤلاء القوم جاءوا خائفين فقد جاءوا من بلد يأمن فيه الطير، و إن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته، فأطيعوني و ردوهم من حيث جاءوا، فقام الأسود بن سريع السعدي فقال: إنما جاءوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا و من غيرنا، فحصبه الناس، فعلم عثمان بن حنيف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصارا، فكره ذلك، و قدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس، فنزلوا المربد من أعلاه قريبا من البصرة، و خرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، و خرج عثمان بن حنيف بالجيش فاجتمعوا بالمربد، فتكلم طلحة- و كان على الميمنة- فندب إلى الأخذ بثأر عثمان، و الطلب بدمه، و تابعه الزبير فتكلم بمثل مقالته فرد عليهما ناس من جيش عثمان بن حنيف، و تكلمت أم المؤمنين فحرضت و حثت على