البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
بهذه الشكوى رجل يقال له: الجراح بن سنان الأسدي في نفر معه، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه قال لهم عمر: إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه، و هو مستعد لقتال أعداء اللَّه، و قد جمعوا لكم، و مع هذا لا يمنعني أن انظر في أمركم. ثم بعث محمد بن مسلمة- و كان رسول العمال- فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل و العشائر و المساجد بالكوفة فكل يثنى على سعد خيرا إلا ناحية الجراح بن سنان فإنهم سكتوا فلم يذموا و لم يشكروا، حتى انتهى إلى بنى عبس، فقام رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ ناشدتنا فان سعدا لا يقسم بالسوية، و لا يعدل في الرعية، و لا يغزو في السرية. فدعا عليه سعد فقال: اللَّهمّ إن كان قالها كذبا و رياء و سمعة فأعم بصره، و كثر عياله، و عرضه لمضلات الفتن. فعمى و اجتمع عنده عشر بنات، و كان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك. ثم دعا سعد على الجراح و أصحابه فكل أصابته فارعة في جسده، و مصيبة في ماله بعد ذلك، و استنفر محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو أهل نهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب. ثم سار سعد و محمد بن مسلمة و الجراح و أصحابه حتى جاءوا عمر فسأله عمر: كيف يصلى؟ فأخبره أنه يطول في الأوليين و يخفف في الأخريين و ما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. و قال سعد في هذه القصة. لقد أسلمت خامس خمسة، و لقد كنا و ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا، و إني لأول رجل رمى بسهم في سبيل اللَّه، و لقد جمع لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبويه و ما جمعهما لأحد قبلي، ثم أصبحت بنو أسد يقولون لا يحسن يصلى. و في رواية يغرر بى على الإسلام، لقد خبت إذا و ضل عملي. ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟ فقال: عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبان، فأقره عمر على نيابته الكوفة- و كان شيخا كبيرا من أشراف الصحابة حليفا لبني الحبلى من الأنصار- و استمر سعد معزولا من غير عجز و لا خيانة و يهدد أولئك النفر، و كاد يوقع بهم بأسا. ثم ترك ذلك خوفا من أن لا يشكو أحدا أميرا.
و المقصود أن أهل فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند، حتى اجتمع منهم مائة ألف و خمسون ألف مقاتل، و عليهم الفيرزان و يقال: بندار، و يقال ذو الحاجب. و تذامروا فيما بينهم، و قالوا: إن محمدا الّذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، و لا أبو بكر الّذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا، و إن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا و أخذ بلادنا، و لم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا، و أخذ بيت المملكة و ليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم. فتعاهدوا و تعاقدوا على أن يقصدوا البصرة و الكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده، و تواثقوا من أنفسهم و كتبوا بذلك عليهم كتابا. فلما كتب سعد بذلك إلى عمر- و كان قد عزل سعدا في غضون ذلك- شافه سعد عمر بما