البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣ - سنة ثلاث عشرة من الهجرة
بمثل ذلك ورد عليه مثله، و أقبلا بعد ما استخلفا في عملهما، إلى المدينة. و قدم خالد بن سعيد بن العاص من اليمن فدخل المدينة و عليه جبة ديباج، فلما رآها عمر عليه أمر من هناك من الناس بتحريقها عنه،
فغضب خالد بن سعيد و قال لعلى بن أبى طالب: يا أبا الحسن! أغلبتم يا بني عبد مناف عن الإمرة؟ فقال له على: أ مغالبة تراها أو خلافة؟ فقال لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم.
فقال له عمر بن الخطاب: اسكت فض اللَّه فاك، و اللَّه لا تزال كاذبا تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلا نفسك. و أبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر. و لما اجتمع عند الصديق من الجيوش ما أراد قام في الناس خطيبا فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد فقال: ألا لكل أمر جوامع، فمن بلغها فهي حسبه، و من عمل للَّه كفاه اللَّه، عليكم بالجد و القصد فان القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، و لا إيمان لمن لا خشية له، و لا عمل لمن لا نية له، ألا و إن في كتاب اللَّه من الثواب على الجهاد في سبيل اللَّه لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به، هي النجاة التي دل اللَّه عليها، إذ نجى بها من الخزي، و ألحق بها الكرامة.
ثم شرع الصديق في تولية الأمراء و عقد الألوية و الرايات، فيقال إن أول لواء عقده لخالد بن سعيد بن العاص، فجاء عمر بن الخطاب فثناه عنه و ذكره بما قال. فلم يتأثر به الصديق كما تأثر به عمر، بل عزله عن الشام و ولاه أرض «تيماء» يكون بها فيمن معه من المسلمين حتى يأتيه أمره. ثم عقد لواء يزيد بن أبي سفيان و معه جمهور الناس، و معه سهيل بن عمرو، و أشباهه من أهل مكة، و خرج معه ماشيا يوصيه بما أعتمده في حربه و من معه من المسلمين، و جعل له دمشق. و بعث أبا عبيدة بن الجراح على جند آخر، و خرج معه ماشيا يوصيه، و جعل له نيابة حمص. و بعث عمرو بن العاص و معه جند آخر و جعله على فلسطين. و أمر كل أمير أن يسلك طريقا غير طريق الآخر، لما لحظ في ذلك من المصالح. و كان الصديق اقتدى في ذلك بنبي اللَّه يعقوب حين قال لبنيه يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ ادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. فكان سلوك يزيد بن أبي سفيان على تبوك. قال المدائني باسناده عن شيوخه قالوا: و كان بعث أبي بكر هذه الجيوش في أول سنة ثلاث عشرة. قال محمد بن إسحاق عن صالح بن كيسان: خرج أبو بكر ماشيا و يزيد بن أبي سفيان راكبا فجعل، يوصيه، فلما فرغ قال: أقرئك السلام و أستودعك اللَّه، ثم انصرف و مضى يزيد و أجدّ السير. ثم تبعه شرحبيل بن حسنة، ثم أبو عبيدة مددا لهما، فسلكوا غير ذلك الطريق. و خرج عمرو بن العاص حتى نزل العرمات من أرض الشام. و يقال إن يزيد بن أبي سفيان نزل البلقاء أولا. و نزل شرحبيل بالأردن، و يقال ببصرى. و نزل أبو عبيدة بالجابية. و جعل الصديق يمدهم بالجيوش، و أمر كل