البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦ - وقعة اليرموك
عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير. قال: بعث هرقل مائتي ألف عليهم ماهان الأرمني. قال سيف: فسارت الروم فنزلوا الواقوصة قريبا من اليرموك، و صار الوادي خندقا عليهم. و بعث الصحابة إلى الصديق يستمدونه و يعلمونه بما اجتمع من جيش الروم باليرموك، فكتب الصديق عند ذلك إلى خالد بن الوليد أن يستنيب على العراق و أن يقفل بمن معه إلى الشام، فإذا وصل إليهم فهو الأمير عليهم. فاستناب المثنى بن حارثة على العراق و سار خالد مسرعا في تسعة آلاف و خمسمائة، و دليله رافع بن عميرة الطائي، فأخذ به على السماق حتى انتهى إلى قراقر، و سلك به أراضى لم يسلكها قبله أحد، فاجتاب البراري و القفار، و قطع الأودية، و تصعد على الجبال، و سار في غير مهيع، و جعل رافع يدلهم في مسيرهم على الطريق و هو في مفاوز معطشة، و عطش النوق و سقاها الماء عللا بعد نهل، و قطع مشافرها و كعمها حتى لا تحتز رحل أدبارها، و استاقها معه، فلما فقدوا الماء نحرها فشربوا ما في أجوافها من الماء، و يقال بل سقاه الخيل و شربوا ما كانت تحمله من الماء و أكلوا لحومها. و وصل و للَّه الحمد و المنة في خمسة أيام، فخرج على الروم من ناحية تدمر فصالح أهل تدمر و أركه، و لما مر بعذراء أباحها و غنم لغسان أموالا عظيمة و خرج من شرقى دمشق، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها و سلمها إليه، فكانت أول مدينة فتحت من الشام و للَّه الحمد.
و بعث خالد بأخماس ما غنم من غسان مع بلال بن الحرث المزني الى الصديق ثم سار خالد و أبو عبيدة و مرثد و شرحبيل إلى عمرو بن العاص- و قد قصده الروم بأرض العربا من المعور- فكانت واقعة أجنادين. و قد قال رجل من المسلمين في مسيرهم هذا مع خالد:
للَّه عينا رافع أنى اهتدى* * * قرفون من قراقر إلى شوى
خمسا إذا ما ساره الجيش بكى* * * ما سارها قبلك إنسي أرى
و قد كان بعض العرب قال له في هذا المسير: إن أنت أصبحت عند الشجرة الفلانية نجوت أنت و من معك، و إن لم تدركها هلكت أنت و من معك، فسار خالد بمن معه و سروا سروة عظيمة فأصبحوا عندها، فقال خالد: عند الصباح يحمد القوم السري. فأرسلها مثلا، و هو أول من قالها رضى اللَّه عنه. و يقول غير ابن إسحاق كسيف بن عمر و أبي نحيف و غيرهما في تكميل السياق الأول:
حين اجتمعت الروم مع أمرائها بالواقوصة و انتقل الصحابة من منزلهم الّذي كانوا فيه فنزلوا قريبا من الروم في طريقهم الّذي ليس لهم طريق غيره، فقال عمرو بن العاص: أبشروا أيها الناس، فقد حصرت و اللَّه الروم، و قلما جاء محصور بخير. و يقال إن الصحابة لما اجتمعوا للمشورة في كيفية المسير إلى الروم، جلس الأمراء لذلك فجاء أبو سفيان فقال: ما كنت أظن أنى أعمر حتى أدرك