البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٩ - ذكر شيء من أخبار طاعون عمواس
الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم و دعوة نبيكم و موت الصالحين قبلكم، و إن أبا عبيدة يسأل اللَّه أن يقسم لأبى عبيدة حظه، فطعن، فمات و استخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده. فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، و دعوة نبيكم، و موت الصالحين قبلكم، و إن معاذا يسأل اللَّه تعالى أن يقسم لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب [١] ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال:
أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال. فقال أبو وائل الهذلي: كذبت و اللَّه لقد صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنت شر من حماري هذا. فقال: و اللَّه ما أرد عليكم ما تقول، و أيم اللَّه لا نقيم عليه. قال: ثم خرج و خرج الناس فتفرقوا و دفعه اللَّه عنهم.
قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاص فو اللَّه ما كرهه. قال ابن إسحاق: و لما انتهى إلى عمر مصاب أبى عبيدة و يزيد بن أبى سفيان، أمر معاوية على جند دمشق و خراجها، و أمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن و خراجها.
و قال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما و طال مكثه، و فنى خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو و تخوفت قلوب المسلمين لذلك.
قلت: و لهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الأمراء، و طابت قلوب الناس بقدومه، و انقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام و للَّه الحمد و المنة.
و قال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال: فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: ألا إني قد وليت عليكم و قضيت الّذي على في الّذي ولانى اللَّه من أمركم إن شاء اللَّه، فبسطنا بينكم فيئكم و منازلكم و مغازيكم، و أبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، و هيأنا لكم العروج، و بوأنا لكم، و وسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم و ما قاتلتم عليه من شامكم، و سمينا لكم أطعماتكم، و أمرنا لكم بأعطياتكم و أرزاقكم و مغانمكم. فمن علم شيئا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء اللَّه و لا قوة إلا باللَّه. قال و حضرت الصلاة فقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن؟ فأمره فأذن فلم يبق أحد كان أدرك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، و عمر أشدهم بكاء، و بكى من لم يدركه لبكائهم و لذكره (صلى اللَّه عليه و سلم).
و ذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبى المجالد أن عمر بن الخطاب
[١] كذا بالنسختين. و في الطبري: يقبل.