البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٤ - قصة السد
فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله و هرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالا شديدا و نادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن و موعدكم الجنة، فقاتل عبد الرحمن حتى قتل و انكشف الناس و أخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، و نادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة. فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان و أبو هريرة بالمسلمين، و فروا من كثرة الترك و رميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان، و اجترأت الترك بعدها، و مع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. و سيأتي تفصيل ذلك كله.
قصة السد
ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب و أراه رجلا فقال شهربراز: أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، و زودته مالا جزيلا و كتبت له إلى الملوك الذين يولونى، و بعثت لهم هدايا، و سألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهى إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه و يأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الّذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعث معه بازياره و معه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، و إذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله و تفرس فيه، ثم لما همّ بالانصراف قال له البازيار: على رسلك، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء، و انقض عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شيء، و إن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء. قال: فلم تدركها حتى وقعت في أسفله و اتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة و هي هذه. ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح و قال: و اللَّه لهذه خير من مملكة هذه المدينة- يعنى مدينة باب الأبواب التي هو فيها- و و اللّه لأنتم أحب إلى اليوم من مملكة آل كسرى، و لو كنت في سلطانهم و بلغهم خبرها لانتزعوها منى. و أيم اللَّه لا يقوم لكم شيء ما وفيتم و وفى ملككم الأكبر. ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الّذي ذهب على السد فقال: ما حال هذا الردم؟- يعنى ما صفته- فأشار إلى ثوب في زرقة و حمرة فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن:
صدق و اللَّه لقد نفذ و رأى. فقال: أجل وصف صفة الحديد و الصفر. قال اللَّه تعالى آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً و قد ذكرت صفة السد في التفسير، و في أوائل هذا الكتاب.
و قد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا أن رجلا قال للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) رأيت السد. فقال: «كيف رأيته»؟ قال: مثل البرد المحبر رأيته.