البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠ - وقعة اليرموك
أحبوا و تراضوا على الصلح، و رجع عنهم الصحابة بعد ما دعوهم إلى اللَّه عز و جل فلم يتم ذلك.
و ذكر الوليد بن مسلم أن ماهان طلب خالدا ليبرز إليه فيما بين الصفين فيجتمعا في مصلحة لهم.
فقال ماهان: إنا قد علمنا أن ما أخرجكم من بلادكم الجهد و الجوع، فهلموا إلى أن أعطى كل رجل منكم عشرة دنانير و كسوة و طعاما و ترجعون إلى بلادكم، فإذا كان من العام المقبل بعثنا لكم بمثلها.
فقال خالد: إنه لم يخرجنا من بلادنا ما ذكرت، غير أنا قوم نشرب الدماء، و أنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم، فجئنا لذلك. فقال أصحاب ماهان: هذا و اللَّه ما كنا نحدث به عن العرب.
قالوا ثم تقدم خالد إلى عكرمة بن أبي جهل و القعقاع بن عمرو- و هما على مجنبتي القلب- أن ينشئا القتال، فبدرا يرتجزان و دعوا إلى البراز، و تنازل الأبطال، و تجاولوا و حمى الحرب و قامت على ساق.
هذا و خالد مع كردوس من الحماة الشجعان الأبطال بين يدي الصفوف، و الأبطال يتصاولون من الفريقين بين يديه، و هو ينظر و يبعث إلى كل قوم من أصحابه بما يعتمدونه من الأفاعيل، و يدبر أمر الحرب أتم تدبير.
و قال إسحاق بن بشير عن سعيد بن عبد العزيز عن قدماء مشايخ دمشق، قالوا: ثم زحف ماهان فخرج أبو عبيدة، و قد جعل على الميمنة معاذ بن جبل، و على الميسرة قباب بن أشيم الكناني، و على الرجالة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، و على الخيل خالد بن الوليد، و خرج الناس على راياتهم، و سار أبو عبيدة بالمسلمين، و هو يقول: عباد اللَّه انصروا اللَّه ينصركم و يثبت أقدامكم، يا معاشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر، و مرضاة للرب، و مدحضة للعار، و لا تبرحوا مصافكم، و لا تخطوا إليهم خطوة، و لا تبدءوهم بالقتال، و اشرعوا الرماح، و استتروا بالدرق، و الزموا الصمت إلا من ذكر اللَّه. و خرج معاذ بن جبل فجعل يذكرهم، و يقول: يا أهل القرآن، و مستحفظى الكتاب، و أنصار الهدى و الحق، إن رحمة اللَّه لا تنال، و جنته لا تدخل بالأماني، و لا يؤتى اللَّه المغفرة و الرحمة الواسعة إلا للصادق المصدق، أ لم تسمعوا لقول اللَّه عز و جل وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إلى آخر الآية؟ فاستحيوا رحمكم اللَّه من ربكم أن يراكم فرارا من عدوكم، و أنتم في قبضته، و ليس لكم ملتحد من دونه. و سار عمرو بن العاص في الناس و هو يقول:
أيها المسلمون غضوا الأبصار و اجثوا على الركب، و اشرعوا الرماح، فإذا حملوا عليكم فأمهلوهم حتى إذا ركبوا أطراف الأسنة فثبوا وثبة الأسد، فو الّذي يرضى الصدق و يثيب عليه، و يمقت الكذب و يجزى الإحسان إحسانا. لقد سمعت أن المسلمين سيفتحونها كفرا كفرا و قصرا قصرا، فلا يهولنكم جموعهم و لا عددهم، فإنكم لو صدقتموهم الشد لتطايروا تطاير أولاد الحجل. ثم تكلم أبو سفيان فأحسن و حث على القتال فأبلغ في كلام طويل. ثم قال حين تواجه الناس: يا معشر أهل