البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٠ - و في هذه السنة أعنى سنة ست و ثلاثين
ألف، و إنما نبهنا على هذا لأنه وقع في صحيح البخاري ما فيه نظر ينبغي أن ينبه له و اللَّه أعلم.
و قد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة و المآثر الغزيرة مما أفاء اللَّه عليه من الجهاد و من خمس الخمس ما يخص أمه منه، و من التجارة المبرورة من الخلال المشكورة، و قد قيل إنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدق في بعض الأيام بخراجهم كلهم رضى اللَّه عنه و أرضاه، و كان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين و قد نيف على الستين بست أو سبع و كان أسمر ربعة من الرجال معتدل اللحم خفيف اللحية رضى اللَّه عنه.
و في هذه السنة أعنى سنة ست و ثلاثين
ولى على بن أبى طالب نيابة الديار المصرية لقيس بن سعد بن عبادة، و كان على نيابتها في أيام عثمان عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح فلما توجه أولئك الأحزاب من خوارج المصريين إلى عثمان و كان الّذي جهزهم إليه مع عبد اللَّه بن سبإ المعروف بابن السوداء محمد بن أبى حذيفة بن عتبة، و كان لما قتل أبوه باليمامة أوصى به إلى عثمان، فكفله و رباه في حجره و منزله و أحسن إليه إحسانا كثيرا و نشأ في عبادة و زهادة، و سأل من عثمان أن يوليه عملا فقال له: متى ما صرت أهلا لذلك وليتك، فتعتب في نفسه على عثمان فسأل من عثمان أن يخرج إلى الغزو فأذن له، فقصد الديار المصرية و حضر مع أميرها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح غزوة الصواري كما قدمنا، و جعل ينتقص عثمان رضى اللَّه عنه و ساعده على ذلك محمد بن أبى بكر، فكتب بذلك ابن أبى سرح إلى عثمان يشكوهما إليه فلم يعبأ بهما عثمان و لم يزل ذلك دأب محمد بن أبى حذيفة حتى استنفر أولئك إلى عثمان فلما بلغه أنهم قد حصروا عثمان تغلب على الديار المصرية و أخرج منها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و صلى بالناس فيها، فلما كان ابن أبى سرح ببعض الطريق جاءه الخبر بقتل أمير المؤمنين عثمان فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و بلغه أن عليا قد بعث على إمرة مصر قيس بن سعد بن عبادة، فشمت بمحمد بن أبى حذيفة، إذ لم يمتع بملك الديار المصرية سنة، و سار عبد اللَّه بن سعد إلى الشام إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره بديار مصر، و أن محمد بن أبى حذيفة قد استحوذ عليها، فسار معاوية و عمرو بن العاص ليخرجاه منها لأنه من أكبر الأعوان على قتل عثمان، مع أنه كان قد رباه و كفله و أحسن إليه، فعالجا دخول مصر فلم يقدرا فلم يزالا يخدعانه حتى خرج إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها، و جاء عمرو بن العاص فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتلوا، ذكره محمد بن جرير. ثم سار إلى مصر قيس ابن سعد بن عبادة بولاية من على، فدخل مصر في سبعة نفر، فرقى المنبر
و قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين على بن أبى طالب.
بسم اللَّه الرحمن الرحيم! من عبد اللَّه على أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين