البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٤ - ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى
عسل افريذين يأترج كوثى. فقال الملك: يا ويلاه إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا و تجيبنا عن العرب. ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن فجازوا في السفن منها إليها و بينهما دجلة، و هي قريبة منها جدا، و لما دخل المسلمون نهر شير لاح لهم القصر الأبيض من المدائن و هو قصر الملك الّذي ذكره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه سيفتحه اللَّه على أمته، و ذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب، فقال: اللَّه أكبر أبيض كسرى، هذا ما وعدنا اللَّه و رسوله.
و نظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح.
ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى
لما فتح سعد نهر شير و استقر بها، و ذلك في صفة لم يجد فيها أحدا و لا شيئا مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن و ركبوا السفن و ضموا السفن إليهم، و لم يجد سعد رضى اللَّه عنه شيئا من السفن و تعذر عليه تحصيل شيء منها بالكلية، و قد زادت دجلة زيادة عظيمة و اسودّ ماؤها، و رمت بالزبد من كثرة الماء بها، و أخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال و الأمتعة من المدائن إلى حلوان، و أنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك و تفارط الأمر. فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، و هم يخلصون إليكم إذا شاءوا فينا و شونكم في سفنهم، و ليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، و قد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزم اللَّه لنا و لك على الرشد فافعل. فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور و يقول: من يبدأ فيحمى لنا الفراض- يعنى ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى- ليجوز الناس إليهم آمنين، فانتدب عاصم بن عمرو و ذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمرّ سعد عليهم عاصم ابن عمرو فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب معى لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمى الفراض من الجانب الآخر؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين- و الأعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر- فتقدم رجل من المسلمين و قد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال:
أ تخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ثم أقحم فرسه فيها و اقتحم الناس، و قد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، و أصحاب الخيل الإناث. فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: دبوانا دبوانا. يقولون مجانين مجانين. ثم قالوا:
و اللَّه ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا. ثم أرسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرماح و يتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من