البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٣ - ثم دخلت سنة سبع و ثلاثين
عن الهام، و ألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة، و غضوا الأبصار فإنه أربط للجأش و أسكن للقلب، و أميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل و أولى بالوقار، راياتكم لا تميلوها و لا نزيلوها و لا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم.
و قد ذكر علماء التاريخ و غيرهم أن عليا رضى اللَّه عنه بارز في أيام صفين و قاتل و قتل خلقا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق تم وضعهم تحت قدميه ثم نادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه على فتجاولا ساعة ثم ضربه على فقتله ثم قال على: هل من مبارز؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله، ثم برز إليه رواد ابن الحارث الكلاعي فقتله، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله. فتلا على قوله تعالى وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ ثم نادى ويحك يا معاوية! ابرز إلى و لا تفنى العرب بيني و بينك، فقال له عمرو بن العاص: اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة،
فقال له معاوية: و اللَّه لقد علمت أن عليا لم يقهر قط، و إنما أردت قتلى لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليك! فليس مثلي يخدع و ذكروا أن عليا حمل على عمرو بن العاص يوما فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوأته فرجع عنه، فقال له أصحابه: مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه؟ فقال: أ تدرون ما هو؟
قالوا: لا! قال: هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم فرجعت عنه، فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له: احمد اللَّه و احمد استك.
و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: ثنا يحيى ثنا نصر ثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن نمير الأنصاري قال: و اللّه لكأنّي أسمع عليا و هو يقول لأصحابه يوم صفين أما تخافون مقت اللَّه حتى متى، ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال: و اللَّه ما سمعنا برئيس أصاب بيده ما أصاب على يومئذ إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل، يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحنى ثم يجيء فيقول معذرة إلى اللَّه و إليكم و اللَّه لقد هممت أن أقلعه و لكن يحجزني عنه أنى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا على»
قال: فيأخذه فيصلحه ثم يرجع به. و هذا إسناد ضعيف و حديث منكر و حدثنا يحيى ثنا ابن وهب أخبرنى الليث عن يزيد بن حبيب أنه أخبره من حضر صفين مع على و معاوية قال ابن وهب: و أخبرنى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط قال: شهدنا صفين مع على و معاوية قال فمطرت السماء علينا دما عبيطا قال الليث في حديثه حتى أن كانوا ليأخذونه بالصحاف و الآنية قال ابن لهيعة: فتمتلى و نهريقها و قد ذكرنا أن عبد اللَّه بن بديل كسر الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أضافها إلى القلب فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيبا على الكرة و بعث إليه معاوية يأمره بالحملة و الكرة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق فأزالوهم عن أماكنهم و انكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمائة و انجفل بقية أهل العراق، و لم يبق مع على من تلك القبائل إلا أهل