البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - فتح ماسبذان من أرض العراق
إليه جماعة من الروم، و من الشهارجة، و من نصارى العرب، من إياد و تغلب و النمر. و قد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد اللَّه بن المعتم أربعين يوما. و زاحفوه في هذه المدة أربعة و عشرين مرة، ما من مرة إلا و ينتصر عليهم و يفل جموعهم، فضعف جانبهم، و عزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، و راسل عبد اللَّه بن المعتم إلى من لك من الأعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و أقروا بما جاء من عند اللَّه. فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا فبعث إليهم: إن كنتم صادقين فإذا كبرنا و حملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، و امنعوهم أن يركبوا فيها، و اقتلوا منهم من قدرتهم على قتله. ثم شد عبد اللَّه و أصحابه، و كبروا تكبيرة رجل واحد، و حملوا على البلد فكبرت الأعراب، من الناحية الأخرى، فحار أهل البلد، و أخذوا في الخروج من الأبواب التي تلى دجلة، فتلقتهم إياد و النمر و تغلب، فقتلوهم قتلا ذريعا، و جاء عبد اللَّه بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأخر فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم، و لم يسلم إلا من أسلم من الأعراب من إياد و تغلب و النمر، و قد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين و هي الموصل سريعا، فسار إليها كما أمر عمر، و معه سرية كثيرة، و جماعة من الإبطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد و هم صاغرون، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، و سهم الراجل ألف درهم. و بعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، و بالفتح مع الحارث بن حسان، و ولى إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، و ولى الخراج بها عرفجة بن هرثمة.
فتح ماسبذان من أرض العراق
لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن ابعث جيشا و أمر عليهم ضرار ابن الخطاب. فخرج ضرار في جيش من المدائن، و على مقدمته ابن الهزيل الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين و أصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، و أسر آذين بن الهرمزان، و فر عنه أصحابه، و أمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، و ساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان- و هي مدينة كبيرة- فأخذها عنوة، و هرب أهلها في رءوس الجبال و الشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، و ضرب على من لم يسلم الجزية، و أقام نائبا عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي.