البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٩ - فصل
نائلة و أم البنين، [١] و بناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه، و ذلك أنه نادى مناد منهم: أ يحل لنادمه و لا يحل لنا ماله، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان و قتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، و جعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، و قتل الغلام أيضا، ثم تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا: يا قوم النجا النجا، فان هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من ان قصدهم قيام الحق و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و غير ذلك مما ادعوا انهم انما قاموا لأجله و كذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا و جاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال و كان فيه شيء كثير جدا.
فصل
و لما وقع هذا الأمر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه جدا، و ندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا، و أشبهوا من تقدمهم ممن قصّ اللَّه علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى وَ لَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ و لما بلغ الزبير مقتل عثمان- و كان قد خرج من المدينة- قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم ترحم على عثمان، و بلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم، ثم تلا قوله تعالى ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ و بلغ عليا قتله فترحم عليه. و سمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ و لما بلغ سعد بن أبى وقاص قتل عثمان استغفر له و ترحم عليه، و تلا في حق الذين قتلوه قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ثم قال سعد: اللَّهمّ اندمهم ثم خذهم. و قد أقسم بعض السلف باللَّه إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير.
و هكذا ينبغي أن يكون لوجوه (منها) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح.
و قال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. و قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الّذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي. و كانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج و ما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمرج سمعنا رجلا يغنى تحت الليل:
[١] في أصل المصرية: امرأته نائلة و أم اليدين. و التصحيح من عقد الجمان للعينى.