البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩١ - فصل
اشتغل الناس عنه بمبايعة على رضى اللَّه عنه حتى تمت، و قيل إنه مكث ليلتين، و قيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه ما بين المغرب و العشاء خيفة من الخوارج، و قيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم. فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم حكيم بن حزام، و حويطب بن عبد العزى، و أبو الجهم بن حذيفة، و نيار بن مكرم الأسلمي، و جبير بن مطعم، و زيد بن ثابت، و كعب بن مالك، و طلحة و الزبير، و على بن أبى طالب و جماعة من أصحابه و نسائه، منهن امرأتاه نائلة و أم البنين بنت عتبة بن حصين، و صبيان.- و هذا مجموع من كلام الواقدي و سيف بن عمر التميمي- و جماعة من خدمة حملوه على باب بعد ما غسلوه و كفنوه. و زعم بعضهم أنه لم يغسل و لم يكفن، و الصحيح الأول. و صلى عليه جبير بن مطعم، و قيل الزبير بن العوام، و قيل حكيم بن حزام، و قيل مروان ابن الحكم، و قيل المسور بن مخرمة و قد عارضه بعض الخوارج و أرادوا رجمه، و إلقاءه عن سريره، و عزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث على رضى اللَّه عنه إليهم من نهاهم عن ذلك و حمل جنازته حكيم بن حزام، و قيل مروان بن الحكم، و قيل المسور بن مخرمة، و أبو جهم بن حذيفة و نيار بن مكرم، و جبير بن مطعم، و ذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلي عليه- عند مصلى الجنائز- أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى اللَّه عليه و ملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع و لكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقى البقيع تحت نخلات هناك.
و ذكر الواقدي أن عمير بن ضابئ نزا على سريره و هو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه و قال: أحبست ضابئا حتى مات في السجن. و قد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا.
و قال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة و إذا رجل يقول: اللَّهمّ اغفر لي، و ما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد اللَّه ما سمعت أحدا يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت للَّه عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت و الناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأنى أصلى عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه و لحيته و قد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار، و هما صبيح و نجيح، رضى اللَّه عنهما، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، و قيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب، و قد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، و رفع الجدار بينه و بين البقيع، و أمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين.