البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٣ - وقعة قيسارية
فقبل منهم خالد و كف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا اللَّه إليكم أو لأنزلكم إلينا. و لم يزل بهم حتى فتحها اللَّه عليه و للَّه الحمد.
فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم اللَّه أبا بكر، كان أعلم بالرجال منى، و اللَّه إني لم أعزله عن ريبة و لكن خشيت أن يوكل الناس إليه. و في هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، و ارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم. هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق. قال و قال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: و كان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس و خرج منها يقول عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطرا و هو عائد. فلما عزم على الرحيل من الشام و بلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم. فلما وصل إلى شمشاط و علا على شرف لك التفت إلى نحو بيت المقدس و قال: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، و لا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشئوم، و يا ليته لم يولد. ما أحلى فعله و أمر عاقبته على الروم!! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية و استقر بها ملكه، و قد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرنى عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، و لا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين.
قلت و قد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بنى أمية فلم يملكوها و لكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، و ذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في صحيح مسلم و غيره من الائمة و للَّه الحمد و المنة، و قد حرم اللَّه على الروم أن يملكوا بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما
ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه عز و جل»
و قد وقع ما أخبر به (صلوات اللَّه و سلامه عليه) كما رأيت، و سيكون ما أخبر به جزما لا يعود ملك القياصرة إلى الشام أبدا لأن قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم. فهذا لا يعود لهم أبدا.
وقعة قيسارية
قال ابن جرير: و في هذه السنة أمرّ عمر معاوية بن أبى سفيان على قيسارية و كتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها و استنصر اللَّه عليهم، و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا باللَّه