البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٣ - عبد الرحمن بن عوف
مسعود صعد شجرة يجتنى الكباث فجعل الناس يعجبون من دقة ساقيه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «و الّذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد»
و قال عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه- و قد نظر إلى قصره و كان يوازى بقامته الجلوس- فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف مليء علما. و قد شهد ابن مسعود بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مواقف كثيرة، منها اليرموك و غيرها، و كان قدم من العراق حاجا فمر بالربذة فشهد وفاة أبى ذر و دفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا، فيروي أنه قال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قال فما تشتهي؟ قال رحمة ربى، قال ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضنى، قال ألا آمر لك بعطائك؟- و كان قد تركه سنتين- فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال أ تخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة،
و إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا»
و أوصى عبد اللَّه بن مسعود إلى الزبير بن العوام، فيقال إنه هو الّذي صلى عليه ليلا، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك، و قيل بل صلى عليه عثمان، و قيل عمار، فاللَّه أعلم. و دفن بالبقيع عن بضع و ستين سنة.
عبد الرحمن بن عوف
ابن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديما على يدي أبى بكر، و هاجر إلى الحبشة و إلى المدينة، و آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين سعد ابن الربيع، و شهد بدرا و ما بعدها، و أمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين بعثه إلى بنى كلب و أرخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للامارة، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، و أحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا.
ثم كان هو الّذي اجتهد في تقديم عثمان رضى اللَّه عنه، و قد تقاول هو و خالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال،
فلما بلغ ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «لا تسبوا أصحابى فو الّذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه»
و هو في الصحيح. و قال معمر عن الزهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل اللَّه، و كان عامة ماله من التجارة،
فأما الحديث الّذي قال عبد بن حميد في مسندة ثنا يحيى بن إسحاق ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين عثمان بن عفان فقال له إن لي حائطين فاختر أيهما شئت، فقال: بارك اللَّه لك في حائطيك، ما لهذا أسلمت، دلني على السوق، قال فدله فكان يشترى السمنة و الاقيطة و الإهاب، فجمع فتزوج فأتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال «بارك اللَّه لك