البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٩ - فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
فقال السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء؟ لا ها اللّه لا ترجع حتى يفتح اللَّه عليك إيلياء.
و قد روى أحمد بن مروان الدينَوَريّ عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن أسامة ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قدم دمشق في تجار من قريش، فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطريق يأخذ بعنقه، فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله دارا فيها تراب و فأس و مجرفة و زنبيل، و قال له: حول هذا من هاهنا إلى هاهنا، و غلق عليه الباب و انصرف فلم يجئ إلى نصف النهار. قال: و جلست مفكرا و لم أفعل مما قال لي شيئا.
فلما جاء قال: ما لك لم تفعل؟ و لكمني في رأسي بيده قال: فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته و خرجت على وجهي فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي، فأشرف على فنزل و أدخلنى الدير فأطعمنى و سقاني، و أتحفنى، و جعل يحقق النظر في، و سألني عن أمرى فقلت: إني أضللت أصحابى. فقال:
إنك لتنظر بعين خائف، و جعل يتوسمنى ثم قال: لقد علم أهل دين النصرانية أنى أعلمهم بكتابهم، و إني لأراك الّذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديرى هذا؟
فقلت: يا هذا لقد ذهبت غير مذهب. فلم يزل بى حتى كتبت له صحيفة بما طلب منى، فلما كان وقت الانصراف أعطانى أتانا فقال لي أركبها، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلى بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها. ففعلت ما أمرنى به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب و هو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر و اشترط عليه ضيافة من يمرّ به من المسلمين، و أن يرشدهم إلى الطريق. رواه ابن عساكر و غيره. و قد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد اللَّه بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم عن أبيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذا بعضه.
و قد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الأحكام، و أفردنا له مصنفا على حدة و للَّه الحمد و المنة.
و قد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها و أسانيدها في الكتاب الّذي أفردناه لمسند عمر، و ذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له.
و قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثني الربيع بن ثعلب نا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد اللَّه بن مسلم ابن هرمز المكيّ عن أبى الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة و لا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتى الرحل بلا ركاب، و وطاؤه كساء انبجانى ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، و فراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب و وسادته إذا نزل و عليه قميص من كرابيس قد رسم و تخرق جنبه. فقال:
ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي و خيطوه و أعيرونى ثوبا أو قميصا.