البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٠ - فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه
فأتى بقميص كتان فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان. قال: و ما الكتان؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل و رقع و أتى به فنزع قميصهم و لبس قميصه. فقال له الجلومس: أنت ملك العرب و هذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئا غير هذا و ركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال: نحن قوم أعزنا اللَّه بالإسلام فلا نطلب بغير اللَّه بديلا، فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج و لا رحل فركبه بها فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتى بجمله فركبه.
و قال إسماعيل بن محمد الصفار: حدثنا سعد ان بن نصر حدثنا سفيان عن أيوب الطائي عن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره و نزع موقيه فأمسكهما بيده و خاض الماء و معه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض، صنعت كذا و كذا، قال: فصك في صدره و قال: أو لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس و أحقر الناس و أقل الناس، فأعزكم اللَّه بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم اللَّه.
قال ابن جرير: و في هذه السنة- أعنى سنة خمس عشرة- كانت بين المسلمين و فارس وقعات في قول سيف بن عمر. و قال ابن إسحاق و الواقدي: إنما كان ذلك في سنة ست عشرة، ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، و ذلك حين بعث عمر بن الخطاب الى سعد بن أبى وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، و أن يخلف النساء و العيال بالعقيق [١] في خيل كثيرة كثيفة. فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالأمراء واحدا بعد واحد، ثم سار في الجيوش و قد جعل هاشم بن عتبة بن أبى وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، و جعل خالدا هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، و سلاح كثير، و ذلك لأيام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة و ارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن، فلقيه بها بصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة و ذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل و بها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل، فتقابل هو و الفيرزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، و انهزموا بين يديه فرقتين ففرقة ذهبت إلى المدائن، و أخرى سارت إلى نهاوند، و أقام سعد ببابل أياما ثم سار منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا و بارزوا أمير الفرس، و هو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الأعرجي أبو نباتة من شجعان بنى تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما و تصاولا بهما، ثم تعانقا و سقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فوقع شهريار على صدر أبى نباتة، و أخرج خنجرا ليذبحه بها، فوقعت إصبعه في فم أبى نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، و أخذ الخنجر فذبح شهريار بها و أخذ
[١] العقيق: كذا في الأصلين و في ابن جرير بالعتيق (بالتاء المثناة فوق).