البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - و هذا مقتل عمار بن ياسر رضى اللَّه عنه مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام
رأيتموه، فان الرأى يخطئ و يصيب، أو عهد عهده إليكم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقال: ما عهد إلينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. و قد رواه مسلم من حديث شعبة و له تمام عن عمار عن حذيفة [في المنافقين.
و هذا كما ثبت في الصحيحين و غيرهما عن جماعة من التابعين، منهم الحارث بن سويد، و قيس ابن عبادة، و أبو جحيفة وهب بن عبد اللَّه السوائى، و يزيد بن شريك، و أبو حسان الأجرد و غيرهم أن كلا منهم قال:
قلت لعلى: هل عندكم شيء عهده إليكم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يعهده إلى الناس؟ فقال:
لا و الّذي فلق الحبة و برأ النسمة، إلا فهما يؤتيه اللَّه عبدا في القرآن، و ما في هذه الصحيفة،
قلت:
و ما في هذه الصحيفة؟ فإذا فيها العقل و فكاك الأسير، و أن لا يقتل مسلم بكافر، و أن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور.
و ثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبى وائل عن سفيان بن مسلم عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: يا أيها الناس! اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتني يوم أبى جندل و لو أقدر لرددت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أمره، و و اللَّه ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه، غير أمرنا هذا، فانا لا نسد منه خصما إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالى له] [١]
و قال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري. قال قام عمار يوم صفين فقال: ايتوني بشربة لبن، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «آخر شربة تشربها من الدنيا تشربها يوم تقتل»
و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن أبى البختري أن عمارا أتى بشربة لبن فضحك و قال: إن رسول اللَّه قال لي: «آخر شراب أشربه لبن حين أموت»
و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: ثنا يحيى بن نصر ثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال:
سمعت الشعبي عن الأحنف بن قيس: قال ثم حمل عمار بن ياسر عليهم فحمل عليه ابن جوى السكسكي و أبو الغادية الفزاري، فأما أبو الغادية فطعنه، و أما ابن جوى فاحتز رأسه.
و قد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص يقول: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية، و آخر شربة تشربها صاع لبن»
فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ويحك! ما هذا يا عمرو؟! فيقول له عمرو: إنه سيرجع إلينا. قال: فلما أصيب عمار بعد ذو الكلاع قال عمرو لمعاوية: ما أدرى بقتل أيهما أنا أشد فرحا، بقتل عمار أو ذي الكلاع و اللَّه لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام و لأفسد علينا جندنا. قال: و كان لا يزال يجيء رجل فيقول لمعاوية و عمرو: أنا قتلت
[١] سقط من المصرية.