البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٥ - ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين
أشهرها
ما رواه الأعمش عن أبى اليقظان عثمان بن عمير عن أبى حرب بن أبى الأسود عن عبد اللَّه ابن عمرو أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «ما أظلت الخضراء، و لا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبى ذر»
و فيه ضعف. ثم لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و مات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه و بين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الرَّبَذَة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، و ليس عنده سوى امرأته و أولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد اللَّه بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، و أوصاهم كيف يفعلون به، و قيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله و دفنه، و كان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، و قد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله.
ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين
فيها كان فتح قبرص في قول أبى معشر، و خالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم، و فيها غزا عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد. و فيها سيّر أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام، و كان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر، فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام، و كتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد أخرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم و أكرمهم و تألفهم. فلما قدموا أنزلهم معاوية و أكرمهم و اجتمع بهم و وعظهم و نصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة و ترك الانفراد و الابتعاد، فأجابه متكلمهم و المترجم عنهم بكلام فيه بشاعة و شناعة، فاحتملهم معاوية لحلمه، و أخذ في مدح قريش- و كانوا قد نالوا منهم- و أخذ في المدح لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و الثناء عليه، و الصلاة و التسليم. و افتخر معاوية بوالده و شرفه في قومه، و قال فيما قال: و أظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما، فقال له صعصعة بن صوحان: كذبت، قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبى سفيان من خلقه اللَّه بيده، و نفخ فيه من روحه، و أمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر و الفاجر، و الأحمق و الكيس. ثم بذل لهم النصح مرة أخرى فإذا هم يتمادون في غيهم، و يستمرون على جهالتهم و حماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده و نفاهم عن الشام، لئلا يشوشوا عقول الطغام، و ذلك أنه كان يشتمل مطاوى كلامهم على القدح في قريش كونهم فرطوا و ضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه، من نصرة الدين و قمع المفسدين. و إنما يريدون بهذا التنقيص و العيب و رجم الغيب، و كانوا يشتمون عثمان و سعيد بن العاص، و كانوا عشرة، و قيل تسعة و هو الأشبه، منهم كميل بن زياد، و الأشتر النخعي- و اسمه مالك بن يزيد- و علقمة بن قيس النخعيان، و ثابت بن قيس النخعي، و جندب بن زهير العامري، و جندب بن كعب الأزدي، و عروة بن الجعد