البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - صفة مقتله رضى اللَّه عنه
عليّ إلى منزله، و حمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه و هو مكتوف- قبحه اللَّه- فقال له: أي عدو اللَّه أ لم أحسن إليك؟ قال: بلى قال. فما حملك على هذا: قال؟ شحذته أربعين صباحا و سألت اللَّه أن يقتل به شر خلقه،
فقال له على لا أراك إلا مقتولا به، و لا أراك إلا من شر خلق اللَّه، ثم قال: إن مت فاقتلوه و إن عشت فانا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبد اللَّه:
يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال لا آمركم و لا أنهاكم، أنتم أبصر. و لما احتضر على جعل يكثر من قول لا إله إلا اللَّه، لا يتلفظ بغيرها. و قد قيل إن آخر ما تكلم به فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.
و قد أوصى ولديه الحسن و الحسين بتقوى اللَّه و الصلاة و الزكاة و كظم الغيظ و صلة الرحم و الحلم عن الجاهل و التفقه في الدين و التثبت في الأمر، و التعاهد للقرآن، و حسن الجوار، و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، و اجتناب الفواحش، و وصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية و وصاه بما وصاهما به، و أن يعظمهما و لا يقطع أمرا دونهما و كتب ذلك كله في كتاب وصيته رضى اللَّه عنه و أرضاه.
و صورة الوصية: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم! هذا ما أوصى به على بن أبى طالب أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله، أرسله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله و لو كره المشركون، إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي للَّه رب العالمين لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين، أوصيك يا حسن و جميع ولدى و من بلغه كتابي بتقوى اللَّه ربكم و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون، و اعتصموا بحبل اللَّه جميعا و لا تفرقوا فانى سمعت أبا القاسم (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة و الصيام» انظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوها يهون اللَّه عليكم الحساب اللَّه اللَّه في الأيتام فلا تعفو أفواههم و لا يضيعن بحضرتكم، و اللَّه اللَّه في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، و اللَّه اللَّه في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، و اللَّه اللَّه في الصلاة فإنها عمود دينكم، و اللَّه اللَّه في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، و اللَّه اللَّه في شهر رمضان فان صيامه جنة من النار، و اللَّه اللَّه في الجهاد في سبيل اللَّه بأموالكم و أنفسكم، و اللَّه اللَّه في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب، و اللَّه اللَّه في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم، و اللَّه اللَّه في أصحاب نبيكم فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أوصى بهم، و اللَّه اللَّه في الفقراء و المساكين فأشركوهم في معاشكم، و اللَّه اللَّه فيما ملكت أيمانكم فان آخر ما تكلم به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن قال:
«أوصيكم بالضعيفين نسائكم و ما ملكت أيمانكم» الصلاة الصلاة لا تخافن في اللَّه لومة لائم يكفكم من أرادكم و بغى عليكم، و قولوا للناس حسنا كما أمركم اللَّه، و لا تتركوا الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، و عليكم بالتواصل و التباذل، و إياكم