البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
شيء يكرهه. فسار النعمان على تعبئته و على المقدمة نعيم بن مقرن، و على المجنبتين حذيفة و سويد بن مقرن، و على المجردة القعقاع بن عمرو، و على الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفرس و عليهم الفيرزان، و معه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة، و هو في مائة و خمسين ألفا، فلما تراءى الجمعان كبر النعمان و كبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فزلزلت الأعاجم و رعبوا من ذلك رعبا شديدا. ثم أمر النعمان بحط الأثقال و هو واقف، فحط الناس أثقالهم، و تركوا رحالهم، و ضربوا خيامهم و قبابهم. و ضربت خيمة للنعمان عظيمة، و كان الذين ضربوا أربعة عشر من أشراف الجيش، و هم حذيفة بن اليمان، و عتبة بن عمرو، و المغيرة بن شعبة، و بشير بن الخصاصية، و حنظلة الكاتب، و ابن الهوبر، و ربعي بن عامر، و عامر بن مطر، و جرير بن عبد اللَّه الحميري، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و الأقرع بن عبد اللَّه الحميري، و الأشعث بن قيس الكندي، و سعيد بن قيس الهمدانيّ، و وائل بن حجر، فلم ير بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة، و حين حطوا الأثقال أمر النعمان بالقتال و كان يوم الأربعاء، فاقتتلوا ذلك اليوم و الّذي بعده و الحرب سجال، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم، و حاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء اللَّه، و الأعاجم يخرجون إذا أرادوا و يرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا. و قد بعث أمير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب إليه المغيرة بن شعبة، فذكر من عظيم ما رأى عليه من لبسه و مجلسه، و فيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب و استهانته بهم، و أنهم كانوا أطول الناس جوعا، و أقلهم دارا و قدرا. و قال: ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجا من جيفكم، فان تذهبوا نخل عنكم، و إن تابوا نزركم مصارعكم. قال: فتشهدت و حمدت اللَّه و قلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت، حتى بعث اللَّه رسوله فوعدنا النصر في الدنيا، و الخير في الآخرة، و ما زلنا نتعرض من ربنا النصر منذ بعثت اللَّه رسوله إلينا، و قد جئناكم في بلادكم و إنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على بلادكم و ما في أيديكم أو نقتل بأرضكم. فقال: أما و اللَّه إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه. فلما طال على المسلمين هذا الحال و استمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأى من الجيش، و تشاوروا في ذلك، و كيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم و المشركون في صعيد واحد، فتكلم عمرو بن أبى سلمة أولا- و هو أسن من كان هناك- فقال: إن بقاءهم على ما هم عليه أضر عليهم من الّذي يطلبه منهم و أبقى على المسلمين.
فرد الجميع عليه و قالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، و إنجاز موعود اللَّه لنا. و تكلم عمرو بن معديكرب فقال: ناهدهم و كاثرهم و لا تخفهم. فردوا جميعا عليه و قالوا: انما تناطح بنا الجدران و الجدران أعوان لهم علينا. و تكلم طليحة الأسدي فقال: إنهما لم يصيبا، و إني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم و يناوشوهم بالقتال و يحمشوهم فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابا، فإذا استطردوا