البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١١ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
و قصد الفيرزان همدان فلحقه القعقاع و أدركه عند ثنية همدان، و قد أقبل منها بغال كثير و حمر تحمل عسلا، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم، و ذلك لحينه فترجل و تعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله، و قال المسلمون يومئذ: إن للَّه جنودا من عسل، ثم غنموا ذلك العسل و ما خالطه من الأحمال و سميت تلك الثنية ثنية العسل. ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم إلى همدان و حاصرها و حوى ما حولها، فنزل إليه صاحبها- و هو خسروشنوم- فصالحه عليها. ثم رجع القعقاع إلى حذيفة و من معه من المسلمين، و قد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة، و قد جمعوا الأسلاب و المغانم إلى صاحب الأقباض و هو السائب ابن الأقرع. و لما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا إلى حذيفة و أخذوا لهم منه الأمان، و جاء رجل يقال له الهرند- و هو صاحب نارهم- فسأل من حذيفة الأمان و يدفع إليهم وديعة عنده لكسرى، أدخرها لنوائب الزمان، فأمنه حذيفة و جاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهرا ثمينا لا يقوم، غير أن المسلمين لم يعبئوا به، و اتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة، و أرسلوه صحبة الأخماس و السبي صحبة السائب بن الأقرع، و أرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم، ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين، و رضخ و نفل لذوي النجدات، و قسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم، و من كان ردءا لهم، و منسوبا إليهم. و أما أمير المؤمنين فإنه كان يدعوا اللَّه ليلا و نهارا لهم، دعاء الحوامل المقربات، و ابتهال ذوى الضرورات، و قد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة إذا هو براكب فسأله من أين أقبل؟ فقال: من نهاوند. فقال: ما فعل الناس؟ قال:
فتح اللَّه عليهم و قتل الأمير، و غنم المسلمون غنيمة عظيمة أصاب الفارس ستة آلاف، و الراجل ألفان. ثم فاته و قدم ذلك الرجل المدينة فأخبر الناس و شاع الخبر حتى بلغ أمير المؤمنين فطلبه فسأله عمن أخبره، فقال: راكب. فقال: إنه لم يجئنى، و إنما هو رجل من الجن و هو بريدهم و اسمه عثيم، ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بأيام، و ليس معه سوى الفتح، فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماس فأخبروا بالأمر على جليته، فإذا ذلك قد الجنى شهد الوقعة و رجع سريعا إلى قومه نذيرا. و لما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى و سأل السائب عمن قتل من المسلمين فقال:
فلان و فلان و فلان، لأعيان الناس و أشرافهم.
ثم قال و آخرون من أفناد الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، فجعل يبكى و يقول: و ما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين؟ لكن اللَّه يعرفهم و قد أكرمهم بالشهادة، و ما يصنعون بمعرفة عمر. ثم أمر بقسمة الخمس على عادته، و حملت ذانك السفطان إلى منزل عمر، و رجعت الرسل، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البرد فما لحقهم البريد إلا بالكوفة.
قال السائب بن الأقرع: فلما أنخت بعيري بالكوفة، أناخ البريد على عرقوب بعيري، و قال: