البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - ثم دخلت سنة تسع و عشرين
ثم دخلت سنة ثمان و عشرين
فتح قبرص
ففيها ذكر ابن جرير فتح قبرس تبعا للواقدي، و هي جزيرة غربي بلاد الشام في البحر، مخلصة وحدها، و لها ذنب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، و غربيها أعرضها، و فيها فواكه كثيرة، و معادن، و هي بلد جيد، و كان فتحها على يدي معاوية بن أبى سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين و معه عبادة بن الصامت و زوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟
فقال: «ناس من أمتى عرضوا على يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة». فقالت:
يا رسول ادع اللَّه أن يجعلني منهم. فقال «أنت منهم» ثم نام فاستيقظ و هو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع اللَّه أن يجعلني منهم فقال: «أنت من الأولين» فكانت في هذه الغزوة و ماتت بها و كانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره. و المقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص و معه جيش عظيم من المسلمين، و ذلك بأمر عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه له في ذلك بعد سؤاله إياه، و قد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الّذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان لحّ معاوية عليه في ذلك فأذن له فركب في المراكب فانتهى إليها، و وافاه عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح إليها من الجانب الآخر، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقا كثيرا و سبوا سبايا كثيرة، و غنموا مالا جزيلا جيدا، و لما جيء بالأسارى جعل أبو الدرداء يبكى، فقال له جبير بن نفير: أ تبكي و هذا يوم أعز اللَّه فيه الإسلام و أهله؟ فقال: ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيعوا أمر اللَّه صيرهم إلى ما ترى، سلط اللَّه عليهم السبي، و إذا سلط على قوم السبي فليس للَّه فيهم حاجة، و قال ما أهون العباد على اللَّه تعالى إذا تركوا أمره؟! ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار في كل سنة، و هادنهم، فلما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك فقبرها هنالك يعظمونه و يستسقون به و يقولون قبر المرأة الصالحة.
قال الواقدي: و في هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم. و تزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية- و كانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها- و فيها بنى عثمان داره بالمدينة الزوراء. و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.
ثم دخلت سنة تسع و عشرين
ففيها عزل عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة، بعد عمله ست سنين و قيل ثلاث،