البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٩ - صفة مقتله رضى اللَّه عنه
إني لأذكره يوما فأحسبه* * * أو في البرية عند اللَّه ميزانا
و أما صاحب معاوية- و هو البرك- فإنه حمل عليه و هو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف، و قيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته و مسك الخارجي فقتل، و قد قال لمعاوية: اتركني فانى أبشرك ببشارة، فقال: و ما هي؟ فقال: إن أخى قد قتل في هذا اليوم على بن أبى طالب، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إنه، لا حرس معه، فأمر به فقتل، و جاء الطبيب فقال لمعاوية: إن جرحك مسموم فاما أن أكويك و أما أن أسقيك شربة فيذهب السم و لكن ينقطع نسلك فقال معاوية: أما النار فلا طاقة لي بها، و أما النسل ففي يزيد و عبد اللَّه ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ من ألمه و جراحة و استقل و سلم رضى اللَّه عنه. و من حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع و جعل الحرس حولها في حال السجود، فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة.
و أما صاحب عمرو بن العاص- و هو عمرو بن بكر- فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبة إلى الصلاة- و هو خارجة بن أبى حبيبة من بنى عامر بن لؤيّ و كان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله و هو يعتقده عمرو بن العاص، فلما أخذ الخارجي قال: أردت عمرا و أراد اللَّه خارجة، فأرسلها مثلا، و قتل قبحه اللَّه، و قد قيل إن الّذي قالها عمرو بن العاص، و ذلك حين جيء بالخارجي فقال: ما هذا؟ قالوا قتل نائبك خارجة، ثم أمر به فضربت عنقه.
و المقصود أن عليا رضى اللَّه عنه لما مات صلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات و دفن بدار الامارة بالكوفة خوفا عليه من الخوارج أن ينبشوا عن جثته، هذا هو المشهور و من قال إنه حمل على راحلته فذهبت به فلا يدرى أين ذهب فقد أخطأ و تكلف ما لا علم له به و لا يسيغه عقل و لا شرع، و ما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك و لا أصل له، و يقال إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة، حكاه الخطيب البغدادي عن أبى نعيم الحافظ عن أبى بكر الطلحي عن محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ الحافظ عن مطر أنه قال: لو علمت الشيعة قبر هذا الّذي يعظمونه بالنجف لرجموه بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. قال الواقدي: حدثني أبو بكر ابن عبد اللَّه بن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى فروة قال: سألت أبا جعفر محمد بن على الباقر كم كان سن على يوم قتل؟ قال: ثلاثا و ستين سنة. قلت: أين دفن؟ قال: دفن بالكوفة ليلا و قد غبي عن دفنه، و في رواية عن جعفر الصادق أنه كان عمره ثمانية و خمسين سنة، و قد قيل إن عليا دفن قبلي المسجد الجامع من الكوفة. قاله الواقدي، و المشهور بدار الامارة. و قد حكى الخطيب البغدادي عن أبى نعيم الفضل بن دكين أن الحسن و الحسين حولاه فنقلاه إلى المدينة فدفناه بالبقيع