البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - صفة قتله رضى اللَّه عنه
أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة، و أن عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، و أن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع ابن عمرو في جيش، و أن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش، فعند ذلك صمموا على أمرهم، و بالغوا فيه، و انتهزوا الفرصة بقلة الناس و غيبتهم في الحج، و أحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، و أحرقوا الباب، و تسوروا من الدار المتاخمة للدار، كدار عمرو بن حزم و غيرها، و حاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة، و اقتتلوا على الباب قتالا شديدا، و تبارزوا و تراجزوا بالشعر في مبارزتهم، و جعل أبو هريرة يقول: هذا يوم طاب في الضراب فيه. و قتل طائفة من أهل الدار و آخرون من أولئك الفجار، و جرح عبد اللَّه بن الزبير جراحات كثيرة، و كذلك جرح الحسن بن على و مروان ابن الحكم فقطع إحدى علباويه فعاش أو قص حتى مات. و من أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري، و المغيرة بن الأخنس بن شريق، و نيار بن عبد اللَّه الأسلمي، في أناس وقت المعركة، و يقال إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا. و لما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، و من الجدران و فزع عثمان إلى الصلاة و افتتح سورة طه، و كان سريع القراءة- فقرأها و الناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب و السقيفة التي عنده، و خافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته و جلس و بين يديه المصحف، و جعل يتلو هذه الآية الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، و جعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه و هو يظن انه قد قتله، و دخل ابن أبى بكر فمسك بلحيته ثم ند و خرج، ثم دخل عليه آخر و معه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها: و قيل: بل قطعها و لم يبنها، إلا أن عثمان قال: و اللَّه إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، و أخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها. ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضى اللَّه عن عثمان. و في رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبى بكر فضربه بحديدة في فيه، و رفس المصحف الّذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان رضى اللَّه عنه. و سالت عليه الدماء، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فما نعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده و قال: إنها لكبيرة العجيزة. و ضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له قترة فقتله.
و ذكر ابن جرير أنهم أرادوا حرز رأسه بعد قتله، فصاح النساء و ضربن وجوههن، فيهن امرأتاه