البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٢ - فتح الأهواز و مناذر و نهر تيري
البرد. فقال المغيرة: و اللَّه ما جاء أبو موسى تاجرا و لا زائرا و لا جاء إلا أميرا. ثم قدم أبو موسى على الناس و ناول المغيرة كتابا من عمر هو أوجز كتابه فيه «أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم ما في يديك و العجل» و كتب إلى أهل البصرة: إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من من قويكم لضعيفكم، و ليقاتل بكم عدوكم، و ليدفع عن دينكم و ليجبى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم.
و أهدى المغيرة لأبى موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة و قال: إني رضيتها لك، و كانت فارهة. و ارتحل المغيرة و الذين شهدوا عليه و هم أبو بكرة، و نافع بن كلدة، و زياد بن أمية، و شبل بن معبد البجلي. فلما قدموا على عمر جمع بينهم و بين المغيرة. فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني؟ مستقبلهم أو مستدبرهم؟ و كيف رأوا المرأة و عرفوها، فان كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا؟
أو مستدبرى فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي؟ و اللَّه ما أتيت إلا امرأتي و كانت تشبهها.
فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل و هو يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبرهما. قال: فكيف استبنت رأسها قال: تحاملت. ثم دعا شبل ابن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما؟ قال: استقبلتهما. و شهد نافع بمثل شهادة أبى بكرة و لم يشهد زياد بمثل شهادتهم. قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان و استين مكشوفتين، و سمعت حفزانا شديدا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟
قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا و لكن أشبهها. قال: فتنح. و روى أن عمر رضى اللَّه عنه كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجلدوا. الحد و هو يقرأ قوله تعالى فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ فقال المغيرة: اشفني من الأعبد. قال: اسكت أسكت اللَّه فاك، و اللَّه لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك.
فتح الأهواز و مناذر و نهر تيري
قال ابن جرير: كان في هذه السنة، و قيل: في سنة ست عشرة. ثم روى من طريق سيف عن شيوخه أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الأقاليم و كان ممن فر يوم القادسية من الفرس، فجهز أبو موسى من البصرة، و عتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم اللَّه عليه، و أخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، و غنموا من جيشه ما أرادوا، و قتلوا من أرادوا، ثم صانعهم و طلب مصالحتهم عن بقية بلاده، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه، و بعث بالأخماس و البشارة إلى عمر، و بعث وفدا فيهم الأحنف بن قيس. فأعجب عمر به و حظي عنده. و كتب إلى عتبة يوصيه به و يأمره بمشاورته و الاستعانة برأيه. ثم نقض الهرمزان العهد و الصلح، و استعان بطائفة من الأكراد، و غرته نفسه، و حسن له الشيطان عمله في ذلك. فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه و قتلوا من جيشه جما