البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١ - وقعة اليرموك
الإسلام حضر ما ترون، فهذا رسول اللَّه و الجنة أمامكم، و الشيطان و النار خلفكم، و حرض أبو سفيان النساء فقال: من رأيتنه فارا فاضربنه بهذه الأحجار و العصي حتى يرجع.
و أشار خالد أن يقف في القلب سعيد بن زيد، و أن يكون أبو عبيدة من وراء الناس ليرد المنهزم. و قسم خالد الخيل قسمين فجعل فرقة وراء الميمنة، و فرقة وراء الميسرة، لئلا يفر الناس و ليكونوا ردءا لهم من ورائهم. فقال له أصحابه: افعل ما أراك اللَّه، و امتثلوا ما أشار به خالد رضى اللَّه عنه. و أقبلت الروم رافعة صلبانها و لهم أصوات مزعجة كالرعد، و القساقسة و البطارقة تحرضهم على القتال و هم في عدد و عدد لم ير مثله، فاللَّه المستعان و عليه التكلان.
و قد كان فيمن شهد اليرموك الزبير بن العوام، و هو أفضل من هناك من الصحابة، و كان من فرسان الناس و شجعانهم، فاجتمع إليه جماعة من الأبطال يومئذ فقالوا: ألا تحمل فنحمل معك؟
فقال: إنكم لا تثبتون، فقالوا: بلى! فحمل و حملوا فلما واجهوا صفوف الروم أحجموا و أقدم هو فاخترق صفوف الروم حتى خرج من الجانب الآخر و عاد إلى أصحابه. ثم جاءوا إليه مرة ثانية ففعل كما فعل في الأولى، و جرح يومئذ جرحين بين كتفيه، و في رواية جرح. و قد روى البخاري معنى ما ذكرناه في صحيحه. و جعل معاذ بن جبل كلما سمع أصوات القسيسين و الرهبان يقول: اللَّهمّ زلزل أقدامهم، و أرعب قلوبهم: و أنزل علينا السكينة، و ألزمنا كلمة التقوى، و حبب إلينا اللقاء، و أرضنا بالقضاء. و خرج ماهان فأمر صاحب الميسرة و هو الدبريجان، و كان عدو اللَّه متنسكا فيهم، فحمل على الميمنة و فيها الأزد و مذحج و حضرموت و خولان، فثبتوا حتى صدقوا [١] أعداء اللَّه، ثم ركبهم من الروم أمثال الجبال. فزال المسلمون من الميمنة إلى ناحية القلب، و انكشف طائفة من الناس إلى العسكر، و ثبت صور من المسلمين عظيم يقاتلون تحت راياتهم، و انكشف زبيد.
ثم تنادوا فتراجعوا و حملوا حتى نهنهوا من أمامهم من الروم و أشغلوهم عن اتباع من انكشف من الناس، و استقبل النساء من انهزم من سرعان الناس يضربنهم بالخشب و الحجارة و جعلت خولة بنت ثعلبة تقول:
يا هاربا عن نسوة تقيأت* * * فعن قليل ما ترى سبيات
و لا حصيات و لا رضيات
قال: فتراجع الناس إلى مواقفهم. و قال سيف بن عمر عن أبى عثمان الغساني عن أبيه. قال قال عكرمة بن أبى جهل يوم اليرموك: قاتلت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في مواطن و أفر منكم اليوم؟ ثم نادى:
من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، و ضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين
[١] كذا في النسخ. و لعله صدوا.