البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٥ - ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى
الماء، و اتبعهم عاصم و أصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، و وقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر و نزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب و كانوا يسمون الكتيبة الأولى كتيبة الأهوال، و أميرها عاصم بن عمرو، و الكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء و أميرها القعقاع بن عمرو. و هذا كله و سعد و المسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، و سعد واقف على شاطئ دجلة. ثم نزل سعد ببقية الجيش، و ذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، و قد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا:
نستعين باللَّه و نتوكل عليه، حسبنا اللَّه و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة إلّا باللَّه العلى العظيم. ثم اقتحم بفرسه دجلة و اقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملئوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان و الرجالة، و جعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، و ذلك لما حصل لهم من الطمأنينة و الأمن، و الوثوق بأمر اللَّه و وعده و نصره و تأييده، و لأن أميرهم
سعد بن أبى وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و قد توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو عنه راض، و دعا له. فقال «اللَّهمّ أجب دعوته، و سدد رميته»
و المقطوع به أن سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة و النصر، و قد رمى بهم في هذا اليم فسددهم اللَّه و سلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير أن رجلا واحدا يقال له غرقدة البارقي، ذلك عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجامها، و أخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، و كان من الشجعان، فقال: عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو. و لم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه اللَّه عز و جل، و قال: اللَّهمّ لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الّذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه. و كان الفرس إذا أعيا و هو في الماء يقيض اللَّه له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، و حتى أن بعض الخيل ليسير و ما يصل الماء إلى حزامها، و كان يوما عظيما و أمرا هائلا، و خطبا جليلا، و خارقا باهرا، و معجزة لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، خلقها اللَّه لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد، و لا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرميّ المتقدمة، بل هذا أجل و أعظم، فان هذا الجيش كان أضعاف ذلك. قالوا: و كان الّذي يساير سعد ابن أبى وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا اللَّه و نعم الوكيل. و اللَّه لينصرن اللَّه وليه و ليظهرن اللَّه دينه، و ليهزمن اللَّه عدوه، إن لم يكن في الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات.
فقال له سلمان: إن الإسلام جديد. ذللت لهم و اللَّه البحور كما ذلل لهم البر، أما و الّذي نفس سلمان