البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٥ - ذكر بيعة على رضى اللَّه عنه بالخلافة
السلف و الخلف، في الدنيا و الآخرة، و للَّه الحمد. و ما قد يقصه بعض القصاص من العوام و غيرهم في الأسواق و غيرها من الوصية لعلى في الآداب و الأخلاق في المأكل و المشرب و الملبس، مثل ما يقولون: يا على لا تعتم و أنت قاعد، يا على لا تلبس سراويلك و أنت قائم، يا على لا تمسك عضادتي الباب، و لا تجلس على أسكفة الباب، و لا تخيط ثوبك و هو عليك، و نحو ذلك، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل لشيء منه، بل هو اختلاق بعض السفلة الجهلة، و لا يعول على ذلك و يغتر به إلا غبي عيى. ثم لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان على من جملة من غسله و كفنه و ولى دفنه كما تقدم ذلك مفصلا و للَّه الحمد و المنة. و سيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد له منها حسن و حسين و محسن كما قدمنا. و قد وردت أحاديث في ذلك لا يصلح شيء منها بل أكثرها من وضع الروافض و القصاص. و لما بويع الصديق يوم السقيفة كان على من جملة من بايع بالمسجد كما قدمنا. و كان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه، و أحب الأشياء إليه، و لما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر- و كانت قد تغضبت بعض الشيء على أبى بكر بسبب الميراث الّذي فاتها من أبيها (عليه السلام)، و لم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء و أنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة، فأبى ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدمنا، و احتاج على أن يداريها بعض المداراة- فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق رضى اللَّه عنهما، فلما توفى أبو بكر و قام عمر في الخلافة بوصية أبى بكر إليه بذلك، كان على من جملة من بايعه، و كان معه يشاوره في الأمور، و يقال إنه استقضاه في أيام خلافته، و قدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، و شهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر و جعل الأمر شورى في ستة أحدهم على، ثم خلص منهم بعثمان و على كما قدمنا، فقدم عثمان على على، فسمع و أطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة و ثلاثين على المشهور.
عدل الناس إلى على فبايعوه، قبل أن يدفن عثمان، و قيل بعد دفنه كما تقدم، و قد امتنع على من إجابتهم إلى قبول الامارة حتى تكرر قولهم له و فر منهم إلى حائط بنى عمرو بن مبدول، و أغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب و ولجوا عليه، و جاءوا معهم بطلحة و الزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، و لم يزالوا به حتى أجاب.
ذكر بيعة على رضى اللَّه عنه بالخلافة
يقال ان أول من بايعه طلحة بيده اليمنى و كانت شلاء من يوم أحد- لما وقى بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- فقال بعض القوم: و اللَّه إن هذا الأمر لا يتم،
و خرج على إلى المسجد فصعد المنبر و عليه إزار و عمامة خز و نعلاه في يده، يتوكأ على قوسه، فبايعه عامة الناس، و ذلك يوم السبت التاسع عشر