البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٠ - كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا
بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام، و تدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن اللَّه قد حرم ظاهر الخمر و باطنه، كما حرم ظاهر الإثم و باطنه، و قد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم اللَّه عليه فانتهى لذلك.
قال سيف: و أصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضا فمات بشر كثير و جم غفير، (رحمهم اللَّه) و رضى اللَّه عنهم أجمعين. قالوا: و خرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة. فقال المهاجرين خالد في ذلك.
من يسكن الشام يعرس به* * * و الشام إن لم يفننا كارب
أفنى بنى ريطة فرسانهم* * * عشرون لم يقصص لهم شارب
و من بنى أعمامهم مثلهم* * * لمثل هذا يعجب العاجب
طعنا و طاعونا مناياهم* * * ذلك ما خط لنا الكاتب
كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا
قال ابن جرير: و في هذه السنة أدرب خالد بن الوليد و عياض بن غنم، أي سلكا درب الروم و أغارا عليهم، فغنموا أموالا عظيمة و سبيا كثيرا. ثم روى من طريق سيف عن أبى عثمان و أبى حارثة و الربيع و أبى المجالد. قالوا: لما رجع خالد و معه أموال جزيلة من الصائفة انتجعه الناس يبتغون رفده و نائله، فكان ممن دخل عليه الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبى عبيدة يأمره أن يقيم خالدا و يكشف عمامته و ينزع عنه قلنسوته و يقيده بعمامته و يسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سرف، و إن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم اعزله عن عمله. فطلب أبو عبيدة خالدا و صعد أبو عبيدة المنبر، و أقيم خالد بين يدي المنبر، و قام إليه بلال ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو و البريد الّذي قدم بالكتاب. هذا و أبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة و اعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره و إرادته، فعذره خالد و عرف أنه لا قصد له في ذلك. ثم سار خالد إلى قنسرين فخطب أهل البلد و ودعهم، و سار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضا و ودعهم و سار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر
صنعت فلم يصنع كصنعك صانع* * * و ما يصنع الأقوام فاللَّه صانع
ثم سأله من أين هذا اليسار الّذي تجيز منه بعشرة آلاف؟ فقال: من الأنفال و السهمان. قال: