البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - فصل
هموا سنّوا الجوائز في معدّ* * * فعادت سنة أخرى الليالي
رماحهم تزيد على ثمان* * * و عشر قبل تركيب النصال
فصل
و من مناقبه الكبار و حسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، و كتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في آخر سنى حياته، و كان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، و قد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، و أبى الدرداء، و جماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد اللَّه بن مسعود، و أبى موسى، و جعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف، يفضل قراءته على قراءة غيره، و ربما خطأ الآخر أو كفره، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، و انتشار في الكلام السيّئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود و النصارى في كتبهم. و ذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة و شاورهم في ذلك، و رأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، و أن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة، و دفع الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفى صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان و أمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب و أن يملى عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد اللَّه بن الزبير الأسدي و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، و أمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفا، و لأهل مصر آخر، و بعث إلى البصرة مصحفا و إلى الكوفة بآخر، و أرسل إلى مكة مصحفا و إلى اليمن مثله، و أقر بالمدينة مصحفا. و يقال لهذه المصاحف الأئمة، و ليست كلها بخط عثمان، بل و لا واحد منها، و إنما هي بخط زيد بن ثابت، و إنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره و زمانه، و إمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه و دولته.
قال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة. و رواه غيره من وجه آخر عن أبى هريرة قال: «لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت و وفقت، أشهد لسمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن أشد أمتى حبّا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بى و لم يرونى، يعملون بما في الورق المعلق» فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان و أمر لأبى هريرة بعشرة آلاف، و قال: و اللَّه ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا