البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠ - ذكر فتح دمشق
في القلب و ركب أبو عبيدة و عمرو بن العاص في المجنبتين، و على الخيل عياض بن غنم، و على الرجالة شرحبيل بن حسنة، فقدموا دمشق و عليها نسطاس بن نسطوس، فنزل خالد بن الوليد على الباب الشرقي و إليه باب كيسان أيضا، و نزل أبو عبيدة على باب الجابية الكبير، و نزل يزيد بن أبى سفيان على باب الجابية الصغير، و نزل عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة على بقية أبواب البلد و نصبوا المجانيق و الدبابات، و قد أرصد أبو عبيدة أبا الدرداء على جيش ببرزة يكونون ردءا له، و كذا الّذي بينه و بين حمص و حاصروها حصارا شديدا سبعين ليلة، و قيل أربعة أشهر، و قيل ستة أشهر، و قيل أربعة عشر شهرا فاللَّه أعلم. و أهل دمشق ممتنعون منهم غاية الامتناع، و يرسلون إلى ملكهم هرقل- و هو مقيم بحمص- يطلبون منه المدد فلا يمكن وصول المدد إليهم من ذي الكلاع، الّذي قد أرصده أبو عبيدة رضى اللَّه عنه بين دمشق و بين حمص- عن دمشق ليلة- فلما أيقن أهل دمشق أنه لا يصل إليهم مدد أبلسوا و فشلوا و ضعفوا، و قوى المسلمون و اشتد حصارهم، و جاء فصل الشتاء و اشتد البرد و عسر الحال و عسر القتال، فقدر اللَّه الكبير المتعال، ذو العزة و الجلال، أن ولد لبطريق دمشق مولود في تلك الليالي فصنع لهم طعاما و سقاهم بعده شرابا. و باتوا عنده في وليمته قد أكلوا و شربوا و تعبوا فناموا عن مواقفهم، و اشتغلوا عن أماكنهم، و فطن لذلك أمير الحرب خالد بن الوليد فإنه كان لا ينام و لا يترك أحدا ينام، بل مراصد لهم ليلا و نهارا، و له عيون و قصاد يرفعون إليه أحوال المقاتلة صباحا و مساء. فلما رأى خمدة تلك الليلة، و أنه لا يقاتل على السور أحد كان قد أعد سلاليم من حبال فجاء هو و أصحابه من الصناديد الأبطال، مثل القعقاع بن عمرو و مذعور بن عدي، و قد أحضر جيشه عند الباب و قال لهم: إذا سمعتم تكبيرنا فوق السور فأرقوا إلينا. ثم نهد هو و أصحابه فقطعوا الخندق سباحة بقرب في أعناقهم، فنصبوا تلك السلام و أثبتوا أعاليها بالشرفات، و أكدوا أسافلها خارج الخندق، و صعدوا فيها، فلما استووا على السور رفعوا أصواتهم بالتكبير، و جاء المسلمون فصعدوا في تلك السلالم و انحدر خالد و أصحابه الشجعان من السور إلى البوابين فقتلوهم، و قطع خالد و أصحابه أغاليق الباب بالسيوف و فتحوا الباب عنوة، فدخل الجيش الخالديّ من الباب الشرقي. و لما سمع أهل البلد التكبير ثاروا و ذهب كل فريق إلى أماكنهم من السور، لا يدرون ما الخبر، فجعل كلما قدم أحد من أصحاب الباب الشرقي قتله أصحاب خالد، و دخل خالد البلد عنوة فقتل من وجده.
و ذهب أهل كل باب فسألوا من أميرهم الّذي عند الباب من خارج الصلح- و قد كان المسلمون دعوهم إلى المشاطرة فيأبون عليهم- فلما دعوهم إلى ذلك أجابوهم. و لم يعلم بقية الصحابة ما صنع خالد. و دخل المسلمون من كل جانب و باب فوجدوا خالدا و هو يقتل من وجده فقالوا له: إنا قد أمناهم، فقال: إني فتحتها عنوة. و التقت الأمراء في وسط البلد عند كنيسة المقسلاط بالقرب من