البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - ثم دخلت سنة ثمان و ثلاثين
ذلك محمد بن أبى بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدل عليه فجاء معاوية بن خديج و أصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبى بكر فقاتل حتى قتل. قال الواقدي: و كان ذلك في صفر من هذه السنة، قال الواقدي: و لما قتل محمد بن أبى بكر بعث على الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فاللَّه أعلم. قال: و كانت أدرخ في شعبان في هذه السنة أيضا، و كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر و أن اللَّه قد فتح عليه بلاد مصر و رجعوا إلى اسمع و الطاعة و اجتماع الجماعة، و بما عهد لهم من الأمر. و قد زعم هشام بن محمد الكلبي أن محمد بن أبى حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبى بكر- و كان من جملة المحرضين على قتل عثمان- فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية و لم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية، فحبسه معاوية بفلسطين فهرب من السجن، فلحقه رجل يقال له عبد اللَّه بن عمرو بن ظلام بأرض البلقاء، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوى إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من الحصادين لك، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه، فجاء أولئك إليه فخشي عبد اللَّه بن عمرو بن ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي. و قد ذكر الواقدي و غيره أن محمد بن أبى حذيفة قتل في سنة ست و ثلاثين كما قدمنا فاللَّه أعلم.
و قال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: ثنا عبد اللَّه بن صالح حدثني ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطى من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين- يكتب إليهم بذلك- فاستخرج منه بضعا و خمسين أردبا دنانير، قال أبو صالح: و الإردب ست ويبات و الويبة مثل القفيز و اعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا [١] و ثلاثين ألف دينار، قلت: فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار.
قال أبو مخنف باسناده: و لما بلغ على بن أبى طالب مقتل محمد بن أبى بكر و ما كان بمصر من الأمر، و تملك عمرو لها، و اجتماع الناس عليه و على معاوية قام في الناس خطيبا فحثهم على الجهاد و الصبر و المسير إلى أعدائهم من الشاميين و المصريين، و واعدهم الجرعة بين الكوفة و الحيرة، فلما كان الغد خرج يمشى إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه و هو حزين كئيب
فقام فيهم خطيبا فقال: الحمد للَّه على ما قضى من أمر و قدر من فعل و ابتلاني بكم و بمن لا يطيع إذا أمرت، و لا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه بغير عطاء و لا معونة، و يجيبونه في السنة مرتين و الثلاث إلى أي وجه شاء؟ و أنا أدعوكم و أنتم أولو النهى و بقية الناس على المعونة و طائفة من العطاء فتفرقون عنى و تعصوننى و تختلفون على؟
[١] في نسخة طوب قبو: سبعا.