البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٠ - ابتداء وقعة الجمل
مكة و تبعهم خلق كثير، و جم غفير، و كان على لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب و حرضه على الخروج معه، فقال:
إنما أنا رجل من أهل المدينة، إن خرجوا خرجت على السمع و الطاعة، و لكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر و خرج إلى مكة، و قدم إلى مكة أيضا في هذا العام يعلى بن أمية من اليمن،- و كان عاملا عليها لعثمان-، و معه ستمائة بعير و ستمائة ألف درهم، و قدم لها عبد اللَّه بن عامر من البصرة، و كان نائبها لعثمان، فاجتمع فيها خلق من سادات الصحابة، و أمهات المؤمنين، فقامت عائشة رضى اللَّه عنها في الناس تخطبهم و تحثهم على القيام بطلب دم عثمان، و ذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام و شهر حرام، و لم يراقبوا جوار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد سفكوا الدماء، و أخذوا الأموال. فاستجاب الناس لها، و طاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة، و قالوا لها: حيثما ما سرت أسرنا معك، فقال قائل نذهب إلى الشام، فقال بعضهم: إن معاوية قد كفاكم أمرها، [و لو قدموها لغلبوا، و اجتمع الأمر كله لهم، لأن أكابر الصحابة معهم] [١] و قال آخرون: نذهب إلى المدينة فنطلب من على أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا، و قال آخرون: بل نذهب إلى البصرة فنتقوى من لك بالخيل و الرجال، و نبدأ بمن هناك من قتلة عثمان. فاتفق الرأى على ذلك و كان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة، فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك و قلن: لا نسير إلى غير المدينة، و جهز الناس يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمائة بعير و ستمائة ألف درهم و جهزهم ابن عامر أيضا بمال كثير، و كانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد اللَّه من ذلك، و أبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، و سار الناس صحبة عائشة في ألف فارس، و قيل تسعمائة فارس من أهل المدينة و مكة، و تلاحق بهم آخرون، فصاروا في ثلاثة آلاف، و أم المؤمنين عائشة تحمل في هودج على جمل اسمه عسكر، اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار، و قيل بثمانين دينارا، و قيل غير ذلك، و سار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها لك و بكين للوداع، و تباكى الناس، و كان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب، و سار الناس قاصدين البصرة، و كان الّذي يصلى بالناس عن أمر عائشة ابن أختها عبد اللَّه ابن الزبير، و مروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات، و قد مروا في مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب، فنبحتهم كلاب عنده، فلما سمعت ذلك عائشة قالت: ما اسم هذا المكان؟ قالوا الحوأب، فضربت بإحدى يديها على الأخرى و قالت: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ما أظننى إلا راجعة، قالوا: و لم؟
قالت: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لنسائه: «ليت شعرى أيتكن التي تنبحها كلاب
[١] سقط من المصرية.