البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٧ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
و الأشتر، و عدي بن حاتم، و المسيب بن نجبة، و يزيد بن قيس، و حجر بن عدي و أمثالهم، و كانت عبد القيس بكمالها بين على و بين البصرة ينتظرونه و هم ألوف، فبعث على القعقاع رسولا إلى طلحة و الزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألفة و الجماعة، و يعظم عليهما الفرقة و الاختلاف، فذهب القعقاع إلى البصرة، فبدأ بعائشة أم المؤمنين، فقال: أي أماه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بنىّ! الإصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة و الزبير ليحضرا عندها، فحضرا فقال القعقاع:
إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: و نحن كذلك قال:
فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ و على أي شيء يكون؟ فو اللَّه لئن عرفناه لنصطلحن، و لئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فان هذا إن ترك كان تركا للقرآن، فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة، و أنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، و خرجوا من بين أظهركم، و طلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فان تركتموهم وقعتم فيما تقولون، و إن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الّذي حذرتم و فرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون و تجمعون منه- يعنى أن الّذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، و لكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها- و كما أنكم عجزتم عن الأخذ بأثر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلى أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، و إنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فان الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقا من ربيعة و مضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الّذي وقع. فقالت له عائشة أم المؤمنين، فما ذا تقول أنت؟ قال:
أقول إن هذا الأمر الّذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فان أنتم بايعتمونا فعلامة خير و تباشير رحمة، و إدراك الثأر، و إن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر و ائتنافه كانت علامة شر و ذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، و كونوا مفاتيح خير كما كنتم أولا، و لا تعرضونا للبلاء.
فتتعرضوا له، فيصرعنا اللَّه و إياكم، و ايم اللَّه إني لأقول قولي هذا و أدعوكم إليه، و إني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ اللَّه حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، و نزل بها ما نزل، فان هذا الأمر الّذي قد حدث أمر عظيم، و ليس كقتل الرجل الرجل، و لا النفر الرجل، و لا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبت و أحسنت فارجع، فان قدم على و هو على مثل رأيك صلح الأمر، قال: فرجع إلى على فأخبره فأعجبه ذلك، و أشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه و رضيه من رضيه، و أرسلت عائشة إلى على تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء و هؤلاء، و قام على في الناس خطيبا فذكر الجاهلية و شقاءها و أعمالها، و ذكر الإسلام و سعادة أهله بالألفة و الجماعة، و أن اللَّه جمعهم بعد نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) على الخليفة أبى بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان ثم حدث هذا