البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ثم استهلت سنة أربع و عشرين
فأرسل يده و قال: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللَّه و سنة نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و فعل أبى بكر و عمر؟ قال: اللَّهمّ نعم! قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد و يده في يد عثمان فقال اللَّهمّ اسمع و اشهد، اللَّهمّ اسمع و اشهد، اللَّهمّ اسمع و اشهد، اللَّهمّ إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.
قال و ازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، و جاء إليه الناس يبايعونه، و بايعه على بن أبى طالب أولا، و يقال آخرا. و ما يذكره كثير من المؤخرين كابن جرير و غيره عن رجال لا يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن خدعتني، و إنك إنما وليته لأنه صهرك و ليشاورك كل يوم في شأنه، و أنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، و من أوفى بما عاهد عليه اللَّه فسيؤتيه أجراً عظيما) إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها و ناقليها و اللَّه أعلم.
و المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة و أغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار و ضعيفها، و مستقيمها و سقيمها، و مبادها و قويمها، و اللَّه الموفق للصواب. و قد اختلف علماء السير في اليوم الّذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، فروى الوقدى عن شيوخه أنه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و استقبل بخلافته المحرم سنة أربع و عشرين، و هذا غريب جدا. و قد روى الواقدي أيضا عن ابن جرير عن ابن أبى مليكة قال:
بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال، و هذا أغرب من الّذي قبله، و كذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي أنه قال: أجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة أربع و عشرين، و قد دخل وقت العصر و قد أذن مؤذن صهيب، و اجتمع الناس بين الأذان و الإقامة فخرج فصلى بهم العصر. و قال سيف عن خليفة بن زفر و مجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث و عشرين فخرج فصلى بالناس العصر، و زاد الناس- يعنى في أعطياتهم- مائة، و وفد أهل الأمصار، و هو أول من صنع ذلك. قلت: ظاهر ما ذكرناه من سياق بيعته يقتضي أن ذلك كان قبل الزوال، لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به إلى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف، فبايعه بقية الناس، و كأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر و صلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي و كان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر، كما ذكره الشعبي و غيره. و أما أول خطبة خطبها بالمسلمين فروى سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه قال لما بايع أهل الشورى عثمان خرج و هو أشدهم كآبة فأتى منبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فخطب الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلى على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال: إنكم في دار قلعة و في بقية أعمار،