البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - فصل
فصل
و لما فرغ على من أمر الجمل أتاه وجوه الناس يسلمون عليه،
فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بنى سعد- و كانوا قد اعتزلوا القتال- فقال له على: تربعت- يعنى بنا-
فقال: ما كنت أرانى إلا قد أحسنت، و بأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فان طريقك الّذي سلكت بعيد، و أنت إلى غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، و استبق مودتي لغد، و لا تقل مثل هذا فانى لم أزل لك ناصحا. قالوا: ثم دخل عليّ البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم، حتى الجرحى و المستأمنة.
و جاءه عبد الرحمن بن أبى بكرة الثقفي فبايعه فقال له على: أين المريض؟- يعنى أباه- فقال: إنه و اللَّه مريض يا أمير المؤمنين، و إنه على مسرتك لحريص. فقال: امش أمامى،
فمضى إليه فعاده، و اعتذر إليه أبو بكرة فعذره، و عرض عليه البصرة فامتنع و قال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس، و أشار عليه بابن عباس فولاه على البصرة، و جعل معه زياد بن أبيه على الخراج و بيت المال، و أمر ابن عباس أن يسمع من زياد- و كان زياد معتزلا- ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة، فاستأذن و دخل فسلم عليها و رحبت به، و إذا النساء في دار بنى خلف يبكين على من قتل، منهم عبد اللَّه و عثمان ابنا خلف، فعبد اللَّه قتل مع عائشة، و عثمان قتل مع علي، فلما دخل علي قالت له صفية امرأة عبد اللَّه، أم طلحة الطلحات: أيتم اللَّه منك أولادك كما أيتمت أولادي، فلم يرد عليها علي شيئا، فلما خرج أعادت عليه المقالة أيضا فسكت،
فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أ تسكت عن هذه المرأة و هي تقول ما تسمع؟ فقال: ويحك! إنا أمرنا أن نكف عن النساء و هن مشركات، أ فلا نكف عنهن و هن مسلمات؟
فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر على القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة و أن يخرجهما من ثيابهما، و قد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين و من قتل من عسكر على، فجعلت كلما ذكر لها واحد منهم ترجمت عليه و دعت له، و لما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها على رضى اللَّه عنه بكل ما ينبغي من مركب و زاد و متاع و غير ذلك، و أذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، و اختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، و سير معها أخاها محمد بن أبى بكر، فلما كان اليوم الّذي ارتحلت فيه جاء على فوقف على الباب و حضر الناس و خرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم، و قالت: يا بنى لا يعتب بعضنا على بعض، إنه و اللَّه ما كان بيني و بين على في القدم إلا ما يكون بين المرأة و أحمائها، و إنه على معتبتى لمن الأخيار.
فقال على:
صدقت و اللَّه ما كان بيني و بينها إلا ذاك، و إنها لزوجة نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم) في الدنيا و الآخرة.
و سار على معها