البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٣ - ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
و قيل إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبيّ. فكلما قتل واحد ممن يمسك الجمل يقوم غيره حتى قتل منهم أربعون رجلا قالت عائشة: ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بنى ضبة ثم أخذ الخطام سبعون رجلا من قريش و كل واحد يقتل بعد صاحبه، فكان منهم محمد بن طلحة المعروف بالسجاد فقال لعائشة مرينى بأمرك يا أمه. فقالت: آمرك أن تكون كخير ابني آدم فامتنع أن ينصرف و ثبت في مكانه و جعل يقول حم لا ينصرون، فتقدم إليه نفر فحملوا عليه فقتلوه و صار لكل واحد منهم بعد ذلك يدعى، قتله و قد طعنه بعضهم بحربة فأنفذه و قال:
و أشعث قوام بآيات ربه* * * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه* * * فخر صريعا لليدين و للفم
يناشدنى حم و الرمح شاجر* * * فهلا تلا حم قبل التقدم
على غير شيء غير أن ليس تابعا* * * عليا و من لا يتبع الحق يندم
و أخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحد إلا حطه بالسيف فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي و هو يقول:
يا أمنا يا خير أم نعلم* * * أما ترين كم شجاع يكلم
و تجتلى هامته و المعصم
و اختلفا ضربتين فقتل كل واحد صاحبه، و أحدق أهل النجدات و الشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الراية و لا بخطام الجمل إلا شجاع معروف، فيقتل من قصده ثم يقتل بعد ذلك، و قد فقأ بعضهم عين عدي بن حاتم ذلك اليوم، ثم تقدم عبد اللَّه بن الزبير فاخذ بخطام الجمل و هو لا يتكلم فقيل لعائشة إنه ابنك ابن أختك فقالت: و اثكل أسماء! و جاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي فاقتتلا فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا و ضربه عبد اللَّه ضربة خفيفة ثم اعتنقا و سقطا إلى الأرض يعتركان فجعل عبد اللَّه بن الزبير يقول:
اقتلوني و مالكا* * * و اقتلوا مالكا معى
فجعل الناس لا يعرفون مالكا من هو و إنما هو معروف بالأشتر فحمل أصحاب على و عائشة فخلصوهما و قد جرح عبد اللَّه بن الزبير يوم الجمل بهذه الجراحة سبعا و ثلاثين جراحة، و جرح مروان بن الحكم أيضا، ثم جاء رجل فضرب الجمل على قوائمه فعقره و سقط إلى الأرض، فسمع له عجيج ما سمع أشد و لا أنفذ منه، و آخر من كان الزمام بيده زفر بن الحارث فعقر الجمل و هو في يده، و يقال إنه اتفق هو و بجير بن دلجة على عقره، و يقال إن الّذي أشار بعقر الجمل على، و قيل القعقاع بن عمرو لئلا تصاب أم المؤمنين، فإنها بقيت غرضا للرماة، و من يمسك بالزمام برجاسا للرماح، و لينفصل هذا الموقف الّذي