البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٧ - فصل في غزوة القادسية
قال سيف باسناده عن مشايخه قالوا: و جعل عمر على قضاء الناس عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي ذا النون، و جعل إليه الافباض و قسمة الفيء، و جعل داعية الناس و قاصّهم سلمان الفارسي. و جعل الكاتب زياد بن أبى سفيان. قالوا و كان في هذا الجيش كله من الصحابة ثلاثمائة و بضعة عشر صحابيا، منهم بضعة و سبعون بدريا، و كان فيه سبعمائة من أبناء الصحابة رضى اللَّه عنهم. و بعث عمر كتابه إلى سعد يأمره بالمبادرة إلى القادسية، و القادسية باب فارس في الجاهلية، و أن يكون بين الحجر و المدر، و أن يأخذ الطرق و المسالك على فارس، و أن يبدروهم بالضرب و الشدة، و لا يهولنك كثرة عددهم و عددهم، فإنهم قوم خدعة مكرة، و إن أنتم صبرتم و أحسنتم و نويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لم يجتمع لهم شملهم أبدا إلا أن يجتمعوا، و ليست معهم قلوبهم. و إن كانت الأخرى فارجعوا إلى ما وراءكم حتى تصلوا إلى الحجر فإنكم عليه أجرأ، و إنهم عنه أجبن و به أجهل، حتى يأتى اللَّه بالفتح عليهم و يرد لكم الكرة. و أمره بمحاسبة نفسه و موعظة جيشه، و أمرهم بالنية الحسنة و الصبر فان النصر يأتى من اللَّه على قدر النية، و الأجر على قدر الحسبة، و سلوا اللَّه العافية، و أكثروا من قول لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلى العظيم، و اكتب إليّ بجميع أحوالكم و تفاصيلها، و كيف تنزلون و أين يكون منكم عدوكم، و اجعلني بكتبك إلى كأنى انظر إليكم، و اجعلني من أمركم على الجلية، و خف اللَّه و ارجه و لا تدل بشيء، و اعلم أن اللَّه قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك و يستبدل بكم غيركم. فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل و الأراضي بحيث كأنه يشاهدها، و كتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم و أمثاله، فهم يطلبوننا و نحن نطلبهم، و أمر اللَّه بعد ماض، و قضاؤه مسلم، إلى ما قدر لنا و علينا، فنسأل اللَّه خير القضاء و خير القدر في عافية.
و كتب إليه عمر: قد جاءني كتابك و فهمته، فإذا لقيت عدوك و منحك اللَّه أدبارهم، فإنه قد ألقى في روعي أنكم ستهزمونهم فلا تشكن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء اللَّه. و جعل عمر يدعو لسعد خاصة و له و للمسلمين عامة.
و لما بلغ سعد العذيب اعترض للمسلمين جيش للفرس مع شيرزاذ بن اراذويه، فغنموا مما معه شيئا كثيرا و وقع منهم موقعا كبيرا، فخمسها سعد و قسم أربعة أخماسها في الناس و استبشر الناس بذلك و فرحوا، و تفاءلوا، و أفرد سعد سرية تكون حياطة لمن معهم من الحريم، على هذه السرية غالب بن عبد اللَّه الليثي.
فصل في غزوة القادسية
ثم سار سعد فنزل القادسية، و بث سراياه، و أقام بها شهرا لم ير أحدا من الفرس، فكتب إلى عمر بذلك، و السرايا تأتى بالميرة من كل مكان. فعجت رعايا الفرس من أطراف بلادهم إلى يزدجرد