البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨ - وقعة اليرموك
ير مثلها قبلها قط و خرج خالد في تعبئة لم تعبها العرب قبل ذلك. فخرج في ستة و ثلاثين كردوسا إلى الأربعين كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، و جعل أبا عبيدة في القلب، و على الميمنة عمرو بن العاص و معه شرحبيل بن حسنة، و على الميسرة يزيد بن أبي سفيان. و أمر على كل كردوس أميرا، و على الطلائع قباب بن أشيم، و على الأقباض عبد اللَّه بن مسعود و القاضي يومئذ أبو الدرداء و قاصّهم الّذي يعظهم و يحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب و قارئهم الّذي يدور على الناس فيقرأ سورة الأنفال و آيات الجهاد المقداد بن الأسود. و ذكر إسحاق بن يسار باسناده أن أمراء الأرباع يومئذ كانوا أربعة، أبو عبيدة و عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة و يزيد بن أبي سفيان، و خرج الناس على راياتهم و على الميمنة معاذ بن جبل و على الميسرة نفاثة بن أسامة الكناني، و على الرجالة هاشم بن عتبة بن أبى وقاص، و على الخيالة خالد بن الوليد و هو المشير في الحرب الّذي يصدر الناس كلهم عن رأيه. و لما أقبلت الروم في خيلائها و فخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها و وعرها كأنهم غمامة سوداء يصيحون بأصوات مرتفعة و رهبانهم يتلون الإنجيل و يحثونهم على القتال، و كان خالد في الخيل بين يدي الجيش فساق بفرسه إلى أبى عبيدة فقال له: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أمرك اللَّه أسمع لك و أطيع. فقال له خالد إن هؤلاء القوم لا بدّ لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، و إني أخشى على الميمنة و الميسرة و قد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين و أجعلها وراء الميمنة و الميسرة حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا فنأتيهم من ورائهم. فقال: له نعم ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة و جعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى و أمر أبا عبيدة أن يتأخر عن القلب إلى وراء الجيش كله لكي إذا رآه المنهزم استحى منه و رجع الى القتال، فجعل أبو عبيدة مكانه في القلب سعيد بن زيد أحد العشرة رضى اللَّه عنهم، و ساق خالد إلى النساء من وراء الجيش و معهن عدد من السيوف و غيرها، فقال لهن: من رأيتموه موليا فاقتلنه، ثم رجع إلى موقفه رضى اللَّه عنه.
و لما تراءى الجمعان و تبارز الفريقان وعظ أبو عبيدة المسلمين فقال: عباد اللَّه انصروا اللَّه ينصركم و يثبت أقدامكم، يا معشر المسلمين اصبروا فان الصبر منجاة من الكفر و مرضاة للرب و مدحضة للعار، و لا تبرحوا مصافكم، و لا تخطوا إليهم خطوة، و لا تبدءوهم بالقتال و شرعوا الرماح و استتروا بالدرق و الزموا الصمت الا من ذكر اللَّه في أنفسكم حتى آمركم إن شاء اللَّه تعالى. قالوا: و خرج معاذ بن جبل على الناس فجعل يذكرهم و يقول يا أهل القرآن، و متحفظى الكتاب و أنصار الهدى و الحق، إن رحمة اللَّه لا تنال و جنته لا تدخل بالأماني، و لا يؤتى اللَّه المغفرة و الرحمة الواسعة إلا الصادق المصدق أ لم تسمعوا لقول اللَّه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ