البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - ذكر مجيء الأحزاب الى عثمان المرة الثانية من مصر و غيرها في شوال من هذه السنة
و داروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة على بذلك و إلا فو اللَّه لا كتبت و لا أمليت، و لا دريت بشيء من ذلك، و الخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، و كذبه الكاذبون. و يقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبى سرح، و يولى محمد بن أبى بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد و معه الكتاب بقتل محمد ابن أبى بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا ذلك البريد و معه الكتاب بقتل محمد بن أبى بكر و آخرين معه، فرجعوا، و قد حنقوا عليه حنقا شديدا، و طافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس. و روى ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الّذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي، على جمل لعثمان، و ذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، و هذا كذب على الصحابة، و إنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة على و طلحة و الزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها، و هكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به و لم يعلم به أيضا. و استمر عثمان يصلى بالناس في تلك الأيام كلها، و هم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات و قام على المنبر، و في يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في خطبته، و كذلك أبو بكر و عمر رضى اللَّه عنهما من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه و نال منه، و أنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي:
حدثني أسامة بن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: بينا أنا انظر إلى عثمان على عصا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) التي كان يخطب عليها و أبو بكر و عمر، فقال له جهجاه قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر و أخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان و حملوه و أمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل.
قال ابن جرير: و حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد اللَّه بن إدريس عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع أن الجهجاه الغفاريّ أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمى في ذلك المكان بأكلة. و قال الواقدي: و حدثني ابن أبى الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن أبى حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: إنك ركبت بهاتير و ركبناها معك، فتب نتب معك. فاستقبل عثمان القبلة و شمر يديه، قال ابن أبى حبيبة: فلم أر يوما أكثر باكيا و لا باكية من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاريّ فصاح إليه: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة و جامعة، فانزل فلندرجك في العباة و لنطرحك في الجامعة