البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧ - وقعة اليرموك
قوما يجتمعون لحرب و لا أحضرهم، ثم أشار أن يتجزأ الجيش ثلاثة أجزاء، فيسير ثلثه فينزلون تجاه الروم، ثم تسير الأثقال و الذراري في الثلث الآخر، و يتأخر خالد بالثلث الآخر حتى إذا وصلت الأثقال إلى أولئك سار بعدهم و نزلوا في مكان تكون البرية من وراء ظهورهم لتصل إليهم البرد و المدد. فامتثلوا ما أشار به و نعم الرأى هو.
و ذكر الوليد عن صفوان عن عبد الرحمن بن جبير أن الروم نزلوا فيما بين دير أيوب و اليرموك، و نزل المسلمون من وراء النهر من الجانب الآخر، و أذرعات خلفهم ليصل إليهم المدد من المدينة.
و يقال إن خالدا إنما قدم عليهم بعد ما نزل الصحابة تجاه الروم بعد ما صابروهم و حاصروهم شهر ربيع الأول بكماله، فلما انسلخ و أمكن القتال [١] لقلة الماء بعثوا إلى الصديق يستمدونه فقال: خالد لها، فبعث إلى خالد فقدم عليهم في ربيع الآخر، فعند وصول خالد إليهم أقبل ماهان مددا للروم و معه القساقسة، و الشمامسة و الرهبان يحثونهم و يحرضونهم على القتال لنصر دين النصرانية، فتكامل جيش الروم أربعون و مائتا ألف ثمانون ألفا مسلسل بالحديد و الحبال، و ثمانون ألفا فارس، و ثمانون ألفا راجل. قال سيف و قيل بل كان الذين تسلسلوا كل عشرة سلسلة لئلا يفروا ثلاثين ألفا، فاللَّه أعلم.
قال سيف و قدم عكرمة بمن معه من الجيوش فتكامل جيش الصحابة ستة و ثلاثين ألفا إلى الأربعين ألفا.
و عند ابن إسحاق و المدائني أيضا أن وقعة أجنادين قبل وقعة اليرموك و كانت وقعة أجنادين لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، و قتل بها بشر كثير من الصحابة، و هزم الروم و قتل أميرهم القيقلان. و كان قد بعث رجلا من نصارى العرب يحبس له أمر الصحابة، فلما رجع إليه قال:
وجدت قوما رهبانا بالليل فرسانا بالنهار، و اللَّه لو سرق فيهم ابن ملكهم لقطعوه، أو زنى لرجموه.
فقال له القيقلان: و اللَّه لئن كنت صادقا لبطن الأرض خير من ظهرها. و قال سيف بن عمر في سياقه:
و وجد خالد الجيوش متفرقة فجيش أبي عبيدة و عمرو بن العاص ناحية، و جيش يزيد و شرحبيل ناحية.
فقام خالد في الناس خطيبا. فأمرهم بالاجتماع و نهاهم عن التفرق و الاختلاف. فاجتمع الناس و تصافوا مع عدوهم في أول جمادى الآخرة و قام خالد بن الوليد في الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال: إن هذا يوم من أيام اللَّه، لا ينبغي فيه الفخر و لا البغي، أخلصوا جهادكم و أريدوا اللَّه بعملكم، و إن هذا يوم له ما بعده لو رددناهم اليوم إلى خندقهم فلا نزال نردهم، و إن هزمونا لا نفلح بعدها أبدا، فتعالوا فلنتعاور الإمارة فليكن عليها بعضنا اليوم و الآخر غدا و الآخر بعد غد، حتى يتأمر كلكم، و دعوني اليوم إليكم، فأمروه عليهم و هم يظنون أن الأمر يطول جدا فخرجت الروم في تعبئة لم
[١] كذا في النسختين، الحلبية و المصرية، و الظاهر أن فيه سقطا.