البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٢ - صفة اجتماع الحكمين أبى موسى و عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بدومة الجندل
و عبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري و أبى جهم بن حذيفة. و زعم بعض الناس أن سعد بن أبى وقاص شهدهم أيضا، و أنكر حضوره آخرون. و قد ذكر ابن جرير أن عمر بن سعد خرج إلى أبيه و هو على ماء لبني سليم بالبادية معتزل: فقال يا أبة: قد بلغك ما كان من الناس بصفين، و قد حكم الناس أبا موسى الأشعري و عمرو بن العاص، و قد شهدهم نفر من قريش، فاشهدهم فإنك صاحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أحد أصحاب الشورى و لم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل!
إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إنه ستكون فتنة خير الناس فيها الخفى التقي»
و اللَّه لا أشهد شيئا من هذا الأمر أبدا.
و قد قال الامام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد ثنا بكر بن سمار عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجا من المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ باللَّه من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا أبة أ رضيت أن تكون أعرابيا في غنمك و الناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمرو قال: اسكت فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن اللَّه يحب العبد التقى الغنى الخفى» و هكذا رواه مسلم في صحيحه.
و قال أحمد أيضا: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا كثير بن زيد الأسلمي عن المطلب عن عمر بن سعد عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبة: الناس يقاتلون على الدنيا و أنت هاهنا؟
فقال: يا بنى أ في الفتنة تأمرنى أن أكون رأسا؟ لا و اللَّه حتى أعطى سيفا إن ضربت به مؤمنا نبا عنه و إن ضربت به كافرا قتلته، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن اللَّه يحب الغنى الخفى التقى»
و هذا السياق كان عكس الأول، و الظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية و على و يولونه فامتنع سعد من ذلك و أباه أشد الإباء و قنع بما هو فيه من الكفاية و الخفاء
كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: قد «أفلح من أسلم و رزق كفافا و قنعه اللَّه بما آتاه»
و كان عمر بن سعد هذا يحب الامارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين بن على رضى اللَّه عنه كما سيأتي بيانه في موضعه، و لو قنع بما كان أبوه عليه لم يكن شيء من ذلك. و للمقصود أن سعدا لم يحضر أمر التحكيم و لا أراد ذلك و لا هم به، و إنما حضره من ذكرنا. فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين، و نظرا في تقدير أمور ثم اتفقا على أن يعزلا عليا و معاوية ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما، و قد أشار أبو موسى بتولية عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو: فول ابني عبد اللَّه فإنه يقاربه في العلم و العمل و الزهد. فقال له أبو موسى: إنك قد غمست ابنك في الفتن معك، و هو مع ذلك رجل صدق.
قال أبو مخنف: فحدثني محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال قال عمرو بن العاص: إن هذا