البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٣ - صفة اجتماع الحكمين أبى موسى و عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بدومة الجندل
الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل و يطعم. و كان ابن عمر فيه غفلة، فقال له ابن الزبير: افطن و انتبه، فقال ابن عمر: لا و اللَّه لا أرشو عليها شيئا أبدا، ثم قال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف و تشاكت بالرماح، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشد منها.
ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه، ثم حاوله ليكون ابنه عبد اللَّه بن عمرو هو الخليفة، فأبى أيضا، و طلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد اللَّه بن عمر فامتنع عمرو أيضا، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية و عليا و يتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم، ثم جاءا إلى المجمع الّذي فيه الناس- و كان عمرو لا يتقدم بين يدي أبى موسى بل يقدمه في كل الأمور أدبا و إجلالا-، فقال له: يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه، فخطب أبو موسى الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم صلى على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرا أصلح لها و لا ألم لشعثها من رأى اتفقت أنا و عمرو عليه، و هو أنا نخلع عليا و معاوية و نترك الأمر شورى، و تستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه، و إني قد خلعت عليا و معاوية. ثم تنحى و جاء عمرو فقام مقامه فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم، و إنه قد خلع صاحبه، و إني قد خلعته كما خلعه و أثبت صاحبي معاوية فإنه ولى عثمان بن عفان، و الطالب بدمه، و هو أحق الناس بمقامه- و كان عمرو بن العاص رأى أن ترك الناس بلا إمام و الحالة هذه يؤدى إلى مفسدة طويلة عريضة أربى مما الناس فيه من الاختلاف، فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة، و الاجتهاد يخطئ و يصيب. و يقال إن أبا موسى تكلم معه بكلام فيه غلظة و رد عليه عمرو بن العاص مثله.
و ذكر ابن جرير أن شريح بن هانئ- مقدم جيش على- وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط و قام إليه ابن لعمرو فضربه بالسوط، و تفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم، فأما عمرو و أصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة، و أما أبو موسى فاستحيى من على فذهب إلى مكة، و رجع ابن عباس و شريح بن هانئ إلى على فأخبراه بما فعل أبو موسى و عمرو، فاستضعفوا رأى أبى موسى و عرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص. فذكر أبو مخنف عن أبى حباب الكلبي أن عليا لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية، و عمرو بن العاص، و أبا الأعور السلمي، و حبيب ابن مسلمة، و الضحاك بن قيس و عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و الوليد بن عتبة، فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته عليا و حسنا و حسينا و ابن عباس و الأشتر النخعي، و لا يصح هذا و اللَّه أعلم. فأما الحديث الّذي قال البيهقي في الدلائل:
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا إسماعيل بن الفضل ثنا قتيبة بن سعيد عن جرير عن زكريا بن يحيى عن عبد اللَّه