البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - صفة اجتماع الحكمين أبى موسى و عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بدومة الجندل
اثنى عشر ألفا، أو ستة عشر ألفا. و لما ناظرهم ابن عباس رجع منهم أربعة آلاف و بقي بقيتهم على ما هم عليه، و قد رواه يعقوب بن سفيان عن موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمار عن سماك أبى زميل عن ابن عباس فذكر القصة و أنهم عتبوا عليه في كونه حكم الرجال، و أنه محى اسمه من الإمرة، و أنه غزا يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام و لم يقسم الأموال و السبي، فأجاب عن الأولين بما تقدم، و عن الثالث بما قال: قد كان في السبي أم المؤمنين فان قلتم ليست لكم بأم فقد كفرتم، و إن استحللتم سبى أمهاتكم فقد كفرتم. قال: فرجع منهم ألفان و خرج سائرهم فتقاتلوا. و ذكر غيره أن ابن عباس لبس حلة لما دخل عليهم، فناظروه في لبسه إياها، فاحتج بقوله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ الآية. و ذكر ابن جرير أن عليا خرج بنفسه إلى بقيتهم فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة و ذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى شك الراويّ في ذلك، ثم جعلوا يعرضون له في الكلام و يسمعونه شتما و يتأولون بتأويل في قوله.
قال الشافعيّ (رحمه اللَّه): قال رجل من الخوارج لعلى و هو في الصلاة لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ فقرأ على فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.
و قد ذكر ابن جرير أن هذا كان و على في الخطبة.
و ذكر ابن جرير أيضا أن عليا بينما هو يخطب يوما إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال: يا على أشركت في دين اللَّه الرجال و لا حكم إلا للَّه، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلا للَّه، لا حكم إلا للَّه، فجعل على يقول: هذه كلمة حق يراد بها باطل، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئا ما دامت أيديكم معنا، و أن لا نمنعكم مساجد اللَّه، و أن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدءونا.
ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة و تحيزوا إلى النهروان على ما سنذكره بعد حكم الحكمين.
صفة اجتماع الحكمين أبى موسى و عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بدومة الجندل
و ذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين، و قال الواقدي اجتمعوا في شعبان، و ذلك أن عليا رضى اللَّه عنه لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ، و معهم أبو موسى، و عبد اللَّه بن عباس، و إليه الصلاة و بعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام و منهم عبد اللَّه بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح- و هي نصف [المسافة] بين الكوفة و الشام، بينها و بين كل من البلدين تسع مراحل- و شهد معهم جماعة من رءوس الناس، كعبد اللَّه ابن عمر، و عبد اللَّه بن الزبير، و المغيرة بن شعبة، و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.