البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٦ - خالد بن الوليد
على من بالبيت إلا أخذ كل واحد منهم بطائفة مما يليه. قال: فمزقوه حتى لم يبق منه شيء. و قال عبد اللَّه بن المبارك عن حماد بن زيد حدثنا عبد اللَّه بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل- ثم شك حماد في أبى وائل- قال: و لما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. و ما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا اللَّه من ليلة بتها و أنا متترس و السماء تهلنى تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنامت فانظروا إلى سلاحي و فرسي فاجعلوه عدة في سبيل اللَّه. فلما توفى خرج عمر على جنازته فذكر قوله:
ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة.
قال ابن المختار: النقع التراب على الرأس، و اللقلقة الصوت. و قد علق البخاري في صحيحه بعض هذا فقال: و قال عمر: دعهن يبكين على أبى سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. و قال محمد بن سعد ثنا وكيع و أبو معاوية و عبد اللَّه بن نمير قالوا: حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد ابن الوليد اجتمع نسوة بنى المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، و هن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره. فأرسل إليهن فانههن. فقال عمر: و ما عليهنّ أن ينزفن من دموعهن على أبى سليمان، ما لم يكن نقعا أو لقلقة. و رواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه.
و قال إسحاق بن بشر و قال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته و إذا أمه تندبه و تقول:
أنت خير من ألف ألف من القوم* * * إذا ما كبت وجوه الرجال
فقال: صدقت و اللَّه إن كان لذلك.
و قال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، و قد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، و اشتكى خالد بعده و هو خارج من المدينة زائرا لأمه فقال لها: احدرونى إلى مهاجري، فقدمت به المدينة و مرضته فلما ثقل و أظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرا عن حجة فقال له عمريهم [١] فقال: خالد ابن الوليد ثقيل لما به. فطوى عمر ثلاثا في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه و استرجع و جلس ببابه حتى جهز، و بكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع ألا تنهاهن؟ فقال: و ما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان؟ ما لم يكن نقع و لا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه و تقول:
أنت خير من ألف ألف من الناس* * * إذا ما كبت وجوه الرجال
[١] كذا بالحلبية و في المصرية بياض.