البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح
أجب أمير المؤمنين، فقلت: لما ذا؟ فقال: لا أدرى. فرجعنا على إثرنا، حتى انتهيت إليه. قال:
ما لي و لك يا ابن أم السائب، بل ما لابن أم السائب و ما لي، قال: فقلت: و ما ذاك يا أمير المؤمنين؟
فقال: ويحك و اللَّه إن هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة اللَّه تسحبنى إلى ذينك السفطين و هما يشتعلان نارا، يقولون لنكوينك بهما. فأقول: إني أقسمهما بين المسلمين.
فاذهب بهما لا أبا لك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين و أرزاقهم، فإنهم لا يدرون ما وهبوا و لم تدر أنت معهم.
قال السائب: فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة و غشيتني التجار فابتاعهما منى عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف. ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف. فما زال أكثر أهل الكوفة ما لا بعد ذلك. قال سيف: ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. قال الشعبي: و حصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف و للراجل ألفان و كان المسلمون ثلاثين ألفا.
قال: و افتتحت نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر، رواه سيف عن عمرو ابن محمد عنه. و به عن الشعبي قال: لما قدم سبى نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة- فيروز غلام المغيرة ابن شعبة- لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه و بكى و قال: أكل عمر كبدي- و كان أصل أبى لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس و أسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبى- قالوا: و لم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، و أتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين تشريفا لهم و إظهارا لشأنهم.
و في هذه السنة افتتح المسلمون أيضا بعد نهاوند مدينة جىّ- و هي مدينة أصبهان- بعد قتال كثير و أمور طويلة، فصالحوا المسلمين و كتب لهم عبد اللَّه بن عبد اللَّه كتاب أمان و صلح و فر منهم ثلاثون نفرا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين. و قيل: إن الّذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن و أنه قتل بها، و وقع أمير المجوس و هو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه و مات و انهزم أصحابه. و الصحيح أن الّذي فتح أصبهان عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبان- الّذي كان نائب الكوفة- و فيها افتتح أبو موسى قم و قاشان، و افتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان.
و ذكر ابن جرير عن الواقدي: أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس قال: و هي برقة فافتتحها صلحا على ثلاثة عشر ألف دينار في كل سنة.
قال: و فيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح، و صار ما بين برقة إلى زويلة سلما للمسلمين. قال: و فيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة بدل زياد بن حنظلة الّذي ولاه بعد عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبان، و جعل عبد اللَّه بن مسعود على بيت المال، فاشتكى